كيف أصبحت عدة شركات وحشاً يبتلع المنافسين ويخيف الحكومات؟​​
جريدة الأنباء الكويتية -

في عصر الرقمنة والثورة الصناعية الرابعة، لا شيء غريبا في تصدر شركات التكنولوجيا الكبرى للمشهد كحامل راية هذا التحول السريع والكبير، لكن هذه الكيانات التجارية أصبحت محور النقاش في قضايا أخرى.

ومع تحقيقها ثروات طائلة لمؤسسيها الذين يهيمنون على قوائم الأثرياء حول العالم، باتت هذه الشركات محورا للجدل الدائر حول التفاوت في الثروة، ناهيك عن نفوذها الهائل في مجالاتها وتأثيرها البالغ على المستهلك، والذي يثير مخاوف من الاحتكار لدى السلطات حول العالم.

هذه المخاوف في الأساس تنبع من كونها كيانات مترامية الأطراف، تحظى بقوة مالية بالغة التأثير، حتى إنها بدأت تبتلع مراكز التكنولوجيا مثل وادي السيليكون في أميركا، بمعنى أنها قد تحرم الشركات الصغيرة والناشئة من فرصة إطلاق العنان لطموحها لتنافس تلك المؤسسات العملاقة.

ومن بين رواد وادي السيليكون نفسه، انتقد «تيم كوك» الرئيس التنفيذي لشركة «آبل» ممارسات شركات التكنولوجيا الكبرى «بيج تيك»، ودعا إلى إصلاح ممارسات بيع بيانات المستخدمين بغرض الإعلانات المستهدفة.

وفي انتقاده اللاذع قال «كوك»: «إذا كانت هناك أعمال مبنية على أساس تضليل المستخدمين أو استغلال البيانات أو على خيارات ليست كذلك، فإنها لا تستحق الثناء وإنما الإصلاح».

اقتصاد هائل وناجح

بينما تعمل شركة «ألفابت» سريعا على بناء مقر متعدد الاستخدامات على مساحة 80 فدانا (الفدان يعادل 4200 متر مربع) في وسط مدينة سان خوسيه والذي سيضم 25000 موظف، وتجري عمليات التوظيف بمعدل ثابت، فإن صناعة الخدمات في الوادي تشهد حالة من الفوضى.

وتراجعت الوظائف في هذا القطاع بنسبة 41% خلال عام 2020 وسط موجة من عمليات الإغلاق وتقليص الأعمال في المطاعم وصالونات التجميل والمتاجر الصغيرة، بينما أضافت شركات التكنولوجيا الكبرى وظائف تقنية.

وقال فيكتور إسكوبيدو، الذي يمتلك مطاعم وشركة منتجات غذائية في المنطقة الواقعة في خليج سان فرانسيسكو: «أشعر وكأنني أحد الناجين من حادث تحطم طائرة، ولكن مع الندم، وأعتبر نفسي أحد المحظوظين لأنني قمت بتبسيط العمليات في 2018-20 للتعامل بشكل أفضل مع عمليات التسليم».

وبلغت مبيعات أكبر 15 شركة تكنولوجيا في وادي السيليكون (بما في ذلك آبل وسيسكو وغوغل وتسلا وفيسبوك) ما قدره 1.35 تريليون دولار في عام 2020، ما يعني أنها مجتمعة تمتلك الناتج المحلي الإجمالي رقم 15 في العالم بين إسبانيا والمكسيك.

إن التباين، المستند إلى المؤشرات الاقتصادية الرئيسية التي تم تجميعها بواسطة «مؤشر وادي السيليكون لعام 2021»، مفروض بالقوة، مما يشير إلى أن تركيز قوة الكيانات التجارية في المنطقة يعتمد بشكل متزايد على عدد أقل من الشركات.

ماكينة لتوليد الوظائف

أظهر تقرير حديث أن وادي السيليكون عانى من خسائر هائلة في الوظائف خلال عام 2020 أثرت على كل صناعة تقريبا باستثناء قطاع التكنولوجيا، حيث تمكن أصحاب العمل من تحقيق مكاسب صغيرة في الوظائف على الرغم من المشاكل الاقتصادية المرتبطة بفيروس كورونا.

وكان فقدان الوظائف في وادي السيليكون شديدا لدرجة أنه تجاوز أزمات التوظيف في المنطقة خلال كارثة «دوت كوم»، وفقا للتقرير الصادر عن شركة «جوينت فينتشر سيليكون فالي»، وهي مؤسسة بحثية مقرها سان خوسيه.

وعلى مدار العام الذي انتهى في يونيو 2020، انخفض إجمالي التوظيف في منطقة وادي السيليكون بنسبة 8.9%، ومع ذلك، فقد عانت وظائف البنية التحتية والخدمات المجتمعية (تشمل البيع بالتجزئة، والخدمات الغذائية، والفنادق، والفنون، والترفيه، والنقل، والخدمات الشخصية) انخفاضا بنسبة 15.4%، حسب موقع «أرقام».

وفي تناقض حاد لهذا الاتجاه، فإن شركات التكنولوجيا، التي تعتمد على الابتكار ومنتجات وخدمات المعلومات وأجهزة الحاسوب، زادت من إجمالي وظائفها في وادي السيليكون بنسبة 1.8%.

وواصلت أكبر شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون إضافة الوظائف، ولكن بوتيرة أبطأ مما كان عليه الحال في بقية الولايات المتحدة والعالم، حيث زادت أكبر 15 شركة في مجال التكنولوجيا من مستويات التوظيف لديها بنسبة 3.7%.

ومن بين 619 ألف وظيفة تقنية في وادي السيليكون وسان فرانسيسكو، يعمل 38% في واحدة من أكبر 15 شركة تقنية في المنطقة، وتوظف «غوغل» و«آبل» أكبر عدد من هؤلاء بنسبة 7% لكل منهما، يليهما «فيسبوك» بنسبة 4% ثم «سيسكو» و«أمازون» بنسبة 3% لكل منهما.

وظلت الوظائف في أعمال أجهزة الحاسوب، والبرمجيات، وخدمات الإنترنت والمعلومات، والتكنولوجيا الحيوية أعلى بنسبة 47% في منتصف عام 2020 (بزيادة نحو 147 ألف وظيفة) مقارنة بالركود العظيم في عام 2010.

الاحتكار والصدام

وفي السنوات القليلة الماضية، تعرضت شركات التكنولوجيا الكبرى في أميركا لضغوط في أوروبا والولايات المتحدة من أجل تخفيف ممارساتها التي بها شبهة احتكار، وصاغ الاتحاد الأوروبي قواعد جديدة منظمة لعمل شركات الإنترنت وسن مجموعة من العقوبات للمخالفين.

في أميركا تواصل وزارة العدل والقضاء التحقيق فيما إذا كانت شركات مثل «غوغل» قد تورطت في أنشطة احتكارية مخالفة لمبادئ التنافسية، وفي أستراليا تضغط الحكومة على مالكة محرك البحث الأشهر و«فيسبوك» للدفع للمنافذ الإخبارية نظير نشر محتوياتها.

وفي بريطانيا جاء أحدث تحذير بشأن التدقيق في ممارسات شركات وادي السيليكون، حيث تخطط هيئة مراقبة المنافسة لإطلاق سلسلة من التحقيقات لمكافحة الاحتكار بشأن شركات التكنولوجيا الكبرى بما في ذلك «غوغل» و«أمازون» هذا العام.

وكشفت تقارير في ديسمبر الماضي أن «مارك زوكربيرغ» مؤسس «فيسبوك» هدد بسحب الاستثمارات من المملكة المتحدة إذا لم تخفف الحكومة من موقفها بشأن تنظيم أعمال شركات وادي السيليكون.

جهود مكافحة النفوذ المتعاظم لشركات التكنولوجيا الكبرى (وربما الصدام) سواء على جانب المستهلك أو المنافسة أو الخصوصية، تجري على قدم وساق وبجدية، حتى إن البعض ألمح إلى احتمالية «تفكيك» بعض الشركات، لكن بغض النظر عن شكل الحل النهائي، هل تستطيع الحكومات كبح جماح هذه المؤسسات أم أنها باتت أقوى من السماح بذلك؟



إقرأ المزيد