جريدة الرياض - 11/30/2025 4:27:49 AM - GMT (+3 )
تكشف بيانات الفترة الممتدة من الربع الأول 2023 حتى الربع الثالث 2025 عن مسار واضح يعكس التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد السعودي في ظل رؤية 2030. فمع بداية الفترة، كان عرض النقود يقف عند نحو 2.6 تريليون ريال، فيما بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر حوالي 813 مليار ريال. ومع نهاية الفترة، ارتفع عرض النقود إلى نحو 3.17 تريليون ريال، بينما وصل الاستثمار الأجنبي المباشر إلى ما يقارب 1.02 تريليون ريال في آخر رقم منشور. ورغم أن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات نقدية صامتة، فإنها تعبر عن تطور بنيوي أشمل في الاقتصاد السعودي، قائم على تنويع مصادر الدخل واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية وتحسين كفاءة الأسواق.
هذا التطور في عرض النقود يعكس قدرة النظام المالي السعودي على دعم التوسع الاقتصادي عبر تعزيز السيولة وتمكين القطاع المصرفي من تمويل المشروعات الكبرى التي أصبحت أحد أعمدة التحول الاقتصادي. فقد شهدت المملكة ارتفاعاً في حجم الإنفاق الاستثماري على مشاريع البنية التحتية، والمناطق الاقتصادية الخاصة، والمدن الذكية، والقطاعات الجديدة مثل السياحة والترفيه والتقنية والطاقة المتجددة. وهي جميعها قطاعات تتطلب توافر سيولة محلية كافية لتسهيل الإقراض والتمويل، ما يفسّر هذا التوسع في المعروض النقدي دون أن يقترن باضطرابات تضخمية واسعة، بما يعكس فاعلية السياسة النقدية وقدرتها على تحقيق توازن بين النمو والاستقرار.
أما الزيادة في الاستثمار الأجنبي المباشر من 813 مليار إلى أكثر من تريليون ريال، فهي تعبير مباشر عن الثقة الدولية في الاقتصاد السعودي والتحسن المتواصل في البيئة الاستثمارية. فقد قامت المملكة خلال السنوات الأخيرة بإصلاحات قانونية وتنظيمية واسعة، شملت تحديث أنظمة الشركات، وتسهيل دخول المستثمر الأجنبي، وتوفير مسارات أسرع للترخيص، إلى جانب إطلاق استراتيجيات قطاعية واضحة مثل استراتيجية الصناعة الوطنية، واستراتيجية الطاقة، واستراتيجية التقنية، والمناطق الاقتصادية الحرة. هذه الحزمة المتكاملة جعلت السوق السعودي أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن أسواق كبيرة ومستقرة وعالية النمو.
كما ساهم تطوير البنية التحتية الرقمية والمالية في رفع مستوى الشفافية وتسريع الإجراءات، وهو ما شكل بيئة آمنة وفعالة للاستثمارات طويلة الأجل. ومع توسع المشاريع الكبرى مثل نيوم والقدية والبحر الأحمر، أصبحت المملكة نقطة جذب للاستثمارات النوعية عالية التقنية ومرتفعة القيمة المضافة، وليس فقط الاستثمارات التقليدية. وهذا الانزياح نحو الاستثمار النوعي يعزز النمو المستدام ويقلل الاعتماد على التقلبات في أسواق الطاقة العالمية. ومن زاوية أعمق، فإن نمو عرض النقود والاستثمار الأجنبي لا يُقرأان فقط كتغيرات رقمية، بل كمؤشر على الانتقال من اقتصاد يعتمد على دورة النفط إلى اقتصاد متنوع قائم على الإنتاجية والتنافسية. فالتوسع النقدي يعكس قدرة الدولة على تمويل التحول الاقتصادي دون خلق اختناقات مالية، بينما يعكس ارتفاع الاستثمار الأجنبي نجاح المملكة في تقديم نفسها كمركز اقتصادي إقليمي قادر على جذب الشركات العالمية، مستنداً إلى إصلاحات تشريعية ومؤسساتية تهدف إلى رفع مستوى الكفاءة وفتح قطاعات جديدة للمنافسة. ويمكن القول إن الفترة الممتدة بين 2023 و2025 تمثل مرحلة تثبيت التحول الاقتصادي، حيث بدأت استراتيجيات رؤية 2030 بالانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التنفيذ الفعلي والضخ الاستثماري الكبير. فالمشاريع الكبرى تحولت من مخططات إلى ورش عمل ضخمة، والقطاعات الجديدة بدأت في تكوين سلاسل قيمة صناعية وخدمية متكاملة، والأسواق باتت أكثر عمقاً وسيولة مما كانت عليه قبل سنوات قليلة. ومع استمرار إصلاحات سوق العمل، وتطوير البنية التحتية، وتحرير قطاعات جديدة أمام الاستثمار الأجنبي، يتوقع أن تستمر هذه المؤشرات في النمو بطريقة أكثر استدامة. وفي المجمل، يعكس الارتفاع من 2.6 إلى 3.17 تريليون ريال في عرض النقود، ومن 813 إلى أكثر من 1,020 مليار ريال في الاستثمار الأجنبي، حالة من التوسع الاقتصادي القائم على عوامل هيكلية وليس على عوامل ظرفية. وهو توسع مدعوم بوضوح الرؤية الاقتصادية وثبات السياسات وقدرة الدولة على خلق بيئة استثمارية تنافسية وجاذبة. وهذا الاتجاه يؤكد أن الاقتصاد السعودي يسير بثقة نحو مرحلة جديدة يتراجع فيها دور العوامل التقليدية لصالح اقتصاد أكثر تنوعاً وابتكاراً، وأكثر قدرة على التفاعل مع الاقتصاد العالمي من موقع قوة واستدامة.
إقرأ المزيد


