جريدة الأنباء الكويتية - 1/5/2026 1:06:34 PM - GMT (+3 )
بقلم: طارق جعفر الوزان.. باحث في الشؤون النفطية والاقتصادية
السؤال الخطأ الذي يطرح دائما، مع عودة التقلبات الحادة في أسواق الطاقة، واحتدام الجدل العالمي حول الاستدامة المالية للدول المنتجة للموارد، يتجدد السؤال الاقتصادي القديم بصيغة خاطئة: كم أنفقنا؟ كم مشروعا أطلق؟ كم ارتفع الناتج؟
هذه الأسئلة، رغم شيوعها، لا تقيس النجاح بقدر ما تعكس حجمه الاسمي، فالتجربة الاقتصادية، في الدول كما في الشركات، أثبتت أن وفرة الموارد وكثافة الإنفاق لا تعني بالضرورة إنتاج الثروة. النجاح الاقتصادي لا يقاس بالحركة، بل بما تخلفه هذه الحركة من قيمة قابلة للبقاء.
هنا تحديدا يتمايز الاقتصاد المنتج عن الاقتصاد المستهلك. الأول يراكم ثروة، والثاني يعيد تدوير السيولة داخل منظومة مغلقة، ولو بدا نشطا في الظاهر. النمو الاسمي لا يصنع اقتصادا، النجاح الاقتصادي ليس توصيفا سياسيا، ولا نتيجة ظرفية لدورة أسعار مواتية، ولا انعكاسا مباشرا لتوسع الميزانيات. إنه نتيجة قابلة للقياس تحدد بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل رأس المال - العام والخاص - إلى قيمة مضافة صافية، تولد ثروة مستدامة، وتؤسس قاعدة إنتاجية قادرة على الاستمرار خارج تقلبات مورد واحد.
وأي اقتصاد لا يحقق هذا التحويل، وفق معايير العائد على رأس المال والإنتاجية وجودة التدفقات النقدية، لا يكون في الواقع منتجا للثروة بقدر ما يكون مؤجلا للاستحقاق. قد ترتفع الأرقام الاسمية، لكن الكفاءة لا تتحسن، ويظل الخلل قائما في تخصيص الموارد. ثلاثة اختبارات لا ينجح فيها الخطاب لهذا، لا يقاس النجاح بحجم الميزانيات ولا بعدد المشاريع المعلنة، بل بثلاثة اختبارات حاسمة لا تحتمل التجميل: أولها كفاءة رأس المال: هل يحقق الاستثمار عائدا يتجاوز تكلفة التمويل والمخاطر؟ ثانيها جودة القيمة المضافة: هل يولد النشاط الاقتصادي قيمة حقيقية أم يكتفي بتدوير الإنفاق؟ وثالثها استدامة التدفقات النقدية التشغيلية: هل يستطيع الاقتصاد توليد نقد تشغيلي مستقل عن دورة الأسعار؟ حيثما تغيب هذه الاختبارات، يكون ما يسمى نموا مجرد توسع شكلي يستهلك رأس المال بدل أن يعظمه.
العائد على رأس المال: حيث تسقط السرديات العائد على رأس المال المستثمر يمثل الحد الفاصل بين اقتصاد ينتج الثروة واقتصاد يستهلكها ببطء. فعندما يكون هذا العائد أدنى من تكلفة رأس المال، فإن التوسع - مهما بدا واسعا- يعني تآكلا تدريجيا للثروة. فالاستثمار الناجح ليس تعظيم العائد، بل تحقيق عائد يفوق تكلفة رأس المال بشكل متكرر ومنضبط عبر الزمن. ما دون ذلك لا يعد خلقا للثروة، بل مخاطرة مؤجلة ترحل كلفتها إلى المستقبل، حتى وإن غلفت بنمو اسمي أو توسع ظاهري. هذه ليست وجهة نظر، بل حقيقة مالية مستقرة.
فالاقتصاد الذي لا يغطي تكلفة رأس المال لا ينمو فعليا، حتى لو ارتفع ناتجه الاسمي. ما يحدث في هذه الحالة هو نقل مؤجل للعبء إلى المستقبل. القيمة المضافة: الفارق بين الثروة والحركة يظهر مفهوم القيمة الاقتصادية المضافة هذه الحقيقة بوضوح أكبر.
فالنمو الذي لا يخلق قيمة بعد احتساب كلفة التمويل والمخاطر ليس نموا اقتصاديا بالمعنى الدقيق، بل تدويرا للسيولة داخل الدورة نفسها. لهذا تعتمد الاقتصادات التي نجحت في بناء قواعد إنتاجية مستقلة هذا المقياس للحكم على جودة النمو لا حجمه. فالهدف ليس تعظيم الناتج بأي ثمن، بل تعظيم القيمة القابلة للتراكم والاستمرار.
الإنتاجية لا تجامل أحدا، أما الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج فهي الامتحان الصامت لأي ادعاء بالانتقال من الريع إلى الإنتاج. فالنمو القائم على زيادة الإنفاق أو التوظيف قد يرفع الناتج مؤقتا، لكنه لا يبني اقتصادا تنافسيا. وحده النمو المدفوع بالتكنولوجيا، والمهارة، وكفاءة الإدارة ينعكس تحسنا مستداما في الإنتاجية، ويمنح الاقتصاد قدرة حقيقية على التكرار عبر الزمن دون استنزاف الموارد. الأرباح لا تعني النقد، يبقى التدفق النقدي التشغيلي المستدام هو الحكم النهائي الذي لا يقبل التجميل. الأرباح الدفترية قد تدار محاسبيا، والمكاسب الظرفية قد تتبدد، لكن النقد التشغيلي يعكس الواقع كما هو.
الاقتصاد القادر على توليد نقد تشغيلي مستقل عن تقلبات مورد واحد يمتلك هامش أمان فعليا، وقدرة حقيقية على امتصاص الصدمات. ما تعلمه الشركات النفطية العملاقة أفضل من الخطب. السؤال الوحيد: ما العائد المحقق على كل استثمار؟ يتجسد هذا المنطق بوضوح في سلوك الشركات النفطية العملاقة، فاستدامتها لا تقوم على الرهان على الأسعار، ولا على إدارة الدورة السعرية وحدها، بل على تعظيم القيمة عبر سلسلة الإنتاج كاملة: من الاستكشاف، إلى التكرير، فالبتروكيماويات، ثم التسويق النهائي. التكامل الرأسي في هذه الشركات ليس خيارا تشغيليا، بل أداة مالية محسوبة لرفع العائد على رأس المال وخفض تذبذب التدفقات النقدية عبر الدورة الاقتصادية. والأهم أن قرارات الاستثمار لا تبنى على حجم المشروع أو رمزيته أو زخمه الإعلامي، بل على معيار واحد لا يقبل التأويل: هل يحقق هذا الاستثمار عائدا يتجاوز تكلفة رأس المال عبر الدورة الكاملة؟ ما لا يحقق ذلك لا ينفذ، مهما بدا جذابا سياسيا أو مغريا إعلاميا.
عندما تحسم الأرقام ما يعجز عنه الخطاب في الاقتصاد، لا تحسم السرديات النتائج، ولا تقاس الاستدامة بزخم الإعلان. ما يبقى هو ما تثبته الأرقام بعد احتساب كلفة رأس المال. وما يتلاشى هو كل ما عجز عن اجتياز هذا الاختبار. النجاح الاقتصادي الحقيقي لا يحتاج إلى تبرير ولا إلى تضخيم، لأنه، بمرور الزمن، يثبت نفسه تلقائيا. أما ما سواه فينكشف عند أول اختبار حقيقي.
إقرأ المزيد


