جريدة الرياض - 1/26/2026 4:03:36 AM - GMT (+3 )
كانت انقطاعات الإمدادات المتكررة في كازاخستان هي الموضوع الرئيس للنقاش حول أسعار النفط، إلا أنه حتى يوم الجمعة لم يكن لها تأثير يُذكر على الأسعار. فما أن أعلن الرئيس الأمريكي ترمب إعادة تخصيص الأصول البحرية إلى السواحل الإيرانية، محذرًا من "أسطول" جاهز للهجوم، حتى ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى 66 دولارًا للبرميل مجددًا، وبفضل تصريحات الرئيس الأمريكي، لم تشهد أسعار النفط الخام أي انخفاضات أسبوعية حتى الآن في عام 2026، بل استمرت في الارتفاع.
ارتفعت أسعار النفط مع أخذ المتداولين في الاعتبار احتمال قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري في إيران، ما قد يُعطّل الإمدادات من أحد كبار منتجي أوبك، بالإضافة إلى عاصفة شتوية قوية تضرب الولايات المتحدة، ما يدفع أسعار المنتجات المكررة إلى الارتفاع.
ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 2.9 ٪ ليستقر فوق 61 دولارًا، مسجلًا مكسبًا أسبوعيًا خامسًا. وجاءت هذه الارتفاعات بعد أن جدد الرئيس دونالد ترمب تهديداته باستخدام القوة العسكرية ضد القيادة الإيرانية، في ظل تحرك مجموعة حاملات طائرات تابعة للبحرية الأمريكية نحو الشرق الأوسط.
بينما تراجع ترمب سابقًا عن تعهداته بمهاجمة إيران، فإن حملة ضغط متجددة قد تزيد من علاوة المخاطر الجيوسياسية للنفط نظرًا لأهمية إيران الاستراتيجية لهذه الصناعة. ومما يزيد من القلق، والزخم الصعودي المدفوع بالدوافع الجيوسياسية، أن الولايات المتحدة تضغط أيضًا على العراق لنزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران.
في غضون ذلك، بدد الكرملين الآمال في تحقيق انفراجة لإنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا. من شأن إنهاء الصراع أن يحد من اضطرابات الإمدادات والعقوبات المفروضة على النفط الخام الروسي. وقالت ريبيكا بابين، كبيرة تجار الطاقة في مجموعة سي آي بي سي لإدارة الثروات الخاصة: "خلاصة القول إن الأخبار الجيوسياسية لا تزال حاضرة بقوة، وأن حالة عدم اليقين لا تزال مرتفعة للغاية".
وأضافت بابين: "في الوقت الراهن، يبدو أن التحولات الأخيرة في الأصول العسكرية والتصريحات الرسمية تُشير إلى تجدد المخاوف بشأن عمل عسكري محتمل يشمل إيران". ووفقًا لمجموعة رابيدان للطاقة، إذا شنت الولايات المتحدة هجومًا على إيران، ما قد يُؤدي إلى رد فعل انتقامي، فمن غير المرجح، وإن كان ممكنًا، أن يُؤثر هذا الصراع على إمدادات النفط، وقدّرت شركة التحليل الجيوسياسي احتمالية حدوث "انقطاع مستمر وشديد" في إنتاج وتدفقات الطاقة في المنطقة بنسبة 20 %.
كما تشهد المنتجات النفطية، مثل الديزل الذي يُستخدم كوقود للتدفئة في شمال شرق الولايات المتحدة، ارتفاعًا ملحوظًا مع استعداد الولايات المتحدة لموجة برد قارس. في غضون ذلك، سجل الدولار أسوأ أداء أسبوعي له منذ سبعة أشهر، مختتمًا أيامًا مضطربة شهدت تدهورًا في العلاقات الأمريكية الأوروبية وتعثرًا في المفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وقد ساهم هذا الانخفاض في جعل السلع المقومة بالدولار أرخص بالنسبة للعديد من المشترين، مما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار النفط الخام.
وساهمت التوترات من فنزويلا إلى إيران، إلى جانب اضطرابات الإمدادات من كازاخستان، في دعم أسعار النفط منذ بداية العام بعد انخفاضها بنسبة 18 % في عام 2025، إلا أن العقود الآجلة لا تزال تحت ضغط المخاوف من احتمال حدوث فائض في السوق.
ووفقًا لأحدث تقييم صادر عن وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن ترتفع المخزونات العالمية بمقدار 3.7 ملايين برميل يوميًا هذا العام، مع تحذير الوكالة من أن الفائض الفعلي قد لا يصل إلى هذه المستويات.
ويبدو أن بعض المشاركين في السوق أكثر تفاؤلًا، حيث صرحت شركة إس إل بي، أكبر مزود لخدمات حقول النفط في العالم، بأن الأسوأ قد يكون قد ولّى في سوق النفط العالمية، متوقعةً زيادة تدريجية في أنشطة الحفر في المناطق الرئيسية. وبلغت مراكز الشراء الصافية لصناديق التحوّط في خام غرب تكساس الوسيط أعلى مستوياتها في خمسة أشهر، وفقًا لبيانات لجنة تداول العقود الآجلة للسلع.
رفعت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط لهذا العام إلى 930 ألف برميل يوميًا، بزيادة قدرها 70 ألف برميل يوميًا عن تقريرها الشهري الصادر في ديسمبر 2025، وذلك استنادًا إلى توقعات انخفاض طفيف في فائض المعروض لعام 2026 و"عودة الأوضاع الاقتصادية العالمية إلى طبيعتها"
في الهند استأنف شركة ريلاينس إندستريز، أكبر شركة تكرير خاصة في الهند، استيراد النفط الروسي "المتوافق مع العقوبات" بعد توقف دام شهرًا واحدًا، حيث سيبلغ متوسط وارداتها من النفط الروسي لعام 2025 نحو 540 ألف برميل يوميًا، وهو أعلى معدل سنوي مسجل.
النفط الفنزويلي في الصين
وحول تدفقات النفط الفنزويلي إلى الصين، وبحسب تقارير إعلامية، وافق البيت الأبيض على بيع النفط الفنزويلي للصين، لكن ليس بأسعار "غير عادلة ومُخفضة" كما كانت بكين تتمتع سابقًا، حيث انخفضت الفروقات السعرية لخام ميري الثقيل الحامض إلى خصم قدره 5 دولارات للبرميل مقارنةً بخام برنت.
ومن جانب اعتراض ناقلات النفط الروسية، احتجزت البحرية الفرنسية ناقلة تابعة لأسطول الظل تحمل نفطًا روسيًا في البحر الأبيض المتوسط، مؤكدةً أن عملية احتجاز ناقلة "غرينش سويزماكس" (التي ترفع علم جزر القمر) تمت وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وحول تصاعد التوتر بين الإكوادور وكولومبيا، أعلنت كولومبيا أنها ستوقف جميع مبيعات الكهرباء إلى جارتها الإكوادور بعد أن فرضت كيتو تعريفة جمركية بنسبة 30 % على جميع الواردات من كولومبيا، حيث ادعى الرئيس الإكوادوري نوبوا أن بوغوتا تفتقر إلى الالتزام بمحاربة عصابات المخدرات والجماعات المسلحة.
في اليابان، اضطرت شركة طوكيو للطاقة الكهربائية، أكبر منتج للطاقة في اليابان، إلى إغلاق المفاعل رقم 6 في محطة كاشيوازاكي-كاريوا النووية العملاقة بعد يوم واحد فقط من إعادة تشغيله عقب توقف دام 14 عامًا، وذلك بسبب عطل في قضبان التحكم. في كازاخستانيًا، أعلنت وزارة الطاقة الكازاخستانية عن تشكيل لجنة خاصة للتحقيق في أسباب حريق اندلع في حقل تينغيز النفطي العملاق، حيث أدى انقطاع التيار الكهربائي اللاحق إلى توقف كامل لإنتاج الحقل حتى نهاية يناير. في الصين، أفادت التقارير أن انخفاض أسعار النفط الروسي دفع شركة بتروتشاينا الصينية العملاقة المملوكة للدولة إلى إعادة تشغيل مصفاة داليان للبتروكيميائيات المتوقفة عن العمل في شمال شرق الصين، والتي تبلغ طاقتها الإنتاجية 200 ألف برميل يوميًا، وزيادة وارداتها من النفط الخام.
في إمدادات الغاز، فازت شركة فنتشر غلوبال الأمريكية لتطوير الغاز الطبيعي المسال بقضية التحكيم ضد شركة ريبسول الإسبانية العملاقة للنفط بشأن تأخيرات في الإمداد من محطة كالكاسيو باس للغاز الطبيعي المسال في لويزيانا، وهذه هي المرة الثانية التي تنتصر فيها في المحكمة بعد خسارتها في تحكيم عام 2025 أمام شركة بي بي.
في إندونيسيا، أكد وزير الطاقة الإندونيسي مجددًا هدف جاكرتا المتمثل في وقف واردات البنزين ووقود الطائرات بحلول نهاية عام 2027، بعد أن استوردت ما معدله 565 ألف برميل يوميًا من المنتجات المكررة العام الماضي بسبب عدم كفاية التغطية المحلية في قطاع التكرير والتوزيع.
في الأرجنتين، تُشير التقارير إلى أن شركة شل، عملاقة الطاقة التي تتخذ من لندن مقرًا لها، تُفكّر في بيع أصولها من حقل فاكا مويرتا الصخري في الأرجنتين، والتي تُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات، وتُحقق عائدًا منخفضًا نسبيًا عند 50 دولارًا للبرميل، وذلك بسبب اختناقات النقل وارتفاع التكاليف.
في سياق متصل، تتوسع الصين في تداول العقود الآجلة للغاز الطبيعي المسال، حيث تستعد بكين لبدء تداول العقود الآجلة للغاز الطبيعي المسال المُدرجة محليًا والمُقوّمة باليوان، ربما في وقت مبكر من الشهر المقبل، إذ ترى في إدراجها في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة وسيلةً لتعزيز نفوذ الصين في تجارة الغاز الطبيعي المسال.
في الولايات المتحدة، تُعيد عاصفة شتوية تشكيل ديناميكيات سوق النفط في أميركا، إذ تجتاح جبهة هوائية باردة شديدة مناطق واسعة من الولايات المتحدة، مما يُثير مخاوف بشأن تجمد آبار النفط والغاز الطبيعي من داكوتا الشمالية وصولًا إلى تكساس.
في حوض ويليستون بولاية داكوتا الشمالية، انخفض إنتاج النفط الخام بنحو 7 % في 23 يناير، ما يعادل خسارة تتراوح بين 80,000 و110,000 برميل يوميًا مع انخفاض درجات الحرارة إلى - 16 درجة فهرنهايت. وتشير التوقعات إلى انخفاض درجات الحرارة إلى - 29 درجة فهرنهايت في 24 يناير.
كما يواجه حوض بيرميان في غرب تكساس ونيو مكسيكو، المسؤول عن إنتاج ما يقارب سبعة ملايين برميل يوميًا، خطرًا مماثلًا، حيث تتوقع الأرصاد الجوية هطول أمطار متجمدة وثلوج حتى 26 يناير.
وأشار سكوت شيلتون، محلل الطاقة في مجموعة تي بي آي كاب، إلى أن موجات الصقيع التاريخية عادةً ما تتسبب في خسارة تتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يوميًا لفترات مماثلة. ومع ذلك، يعتقد أن أي اضطرابات هذه المرة ستكون قابلة للسيطرة نظرًا لحجم السوق العالمي.
تؤثر الظروف الجوية القاسية بشكل خاص على ولاية داكوتا الشمالية، حيث يمكن أن تؤدي موجات البرد الممتدة إلى توقف الإنتاج تمامًا، وتُعقّد عمليات إعادة التشغيل حتى بعد ارتفاع درجات الحرارة مجددًا. وقد أسفرت موجة البرد التي ضربت المنطقة الشهر الماضي عن انخفاض الإنتاج بما يتراوح بين 50,000 و80,000 برميل يوميًا؛ كما تسببت ظروف جوية قاسية مماثلة في فبراير الماضي في انقطاعات وصلت إلى 150,000 برميل يوميًا.
وتشير الاتجاهات الحديثة إلى انخفاض أسعار النفط الخام في داكوتا الشمالية؛ فقد تحسنت أسعار برميل كليربروك من خصم 0.95 دولار أمريكي مقابل خام غرب تكساس الوسيط في 21 يناير إلى 0.60 دولار أمريكي بحلول 22 يناير، وفقًا لبيانات شركة مودرن كوموديتيز. وغردت إدارة سلامة النقل البري الفيدرالية على تويتر في 22 يناير بشأن إجراءات السلامة خلال الظروف الجوية القاسية: "من المتوقع هبوب عاصفة شتوية قوية على معظم أنحاء البلاد - توخوا الحذر واستعدوا وفقًا لذلك".
ولا يزال المعروض العالمي من النفط قويًا بما يكفي لمواجهة أي اضطرابات قصيرة الأجل ناتجة عن الأحوال الجوية. مع ذلك، قد تؤدي الانقطاعات المطولة إلى زعزعة استقرار الأسواق الإقليمية إذا تأثرت عمليات خطوط الأنابيب بشكل كبير. تُعدّ خطوط أنابيب مثل سنتوريون وباسين بالغة الأهمية، إذ تنقل النفط الخام من حوض بيرميان إلى كوشينغ، أوكلاهوما، وهي مركز تخزين حيوي في الولايات المتحدة، وتتشارك ملكيتها شركتا بلينز أول أميركان بايبلاين وإنرجي ترانسفير على التوالي.
وتُصنّف الشركتان ضمن أكبر شركات النقل الخاصة في أمريكا الشمالية وفقًا لقائمة ترانسبورت توبيكس لأفضل 100 شركة، لكنهما لم تُعلّقا علنًا بعد بشأن استعداداتهما أو تعديلاتهما التشغيلية بسبب العواصف المتوقعة.
ويُظهر استعراض فصول الشتاء السابقة كيف يمكن لمثل هذه العواصف أن تؤثر بشدة على إنتاج النفط؛ فخلال عاصفة أوري الشتوية في فبراير من العام الماضي وحده، شهد الإنتاج انخفاضًا يُقدّر بنحو 15.8 %، على الرغم من تعافٍ لاحق وفقًا لتقارير إيست دالي أناليتكس، وأعرب رئيس لجنة السكك الحديدية في تكساس، جيم رايت، عن ثقته، مشيرًا إلى التحسينات التي أُدخلت منذ ذلك الحين، بما في ذلك زيادة قدرات تخزين الغاز الطبيعي في محطات توليد الطاقة: "لقد عززنا احتياطياتنا من الغاز الطبيعي بمقدار الثلث"، كما أكد بثقة.
هذه المرة، ورغم احتمالية تأثر العمليات بسبب موجات البرد، انخفضت أسعار النفط الخام انخفاضًا طفيفًا، مع اتساع خصومات خام غرب تكساس الوسيط في ميدلاند مقارنةً بمؤشر كوشينغ، ما يشير إلى أن التجار قد يرجحون كفة المخاطر المتعلقة بطلب المصافي على حساب الخسائر الفورية في الإمدادات ضمن مناطق حوض بيرميان.
إقرأ المزيد


