2026.. مرحلة اقتصادية سعودية أكثر رسوخاً واستدامة
جريدة الرياض -

مع دخول شهر فبراير 2026، تتشكل في المملكة ملامح مرحلة اقتصادية مختلفة في طبيعتها وأدواتها، مرحلة لا تقوم على ردود الفعل، ولا تعتمد على الزخم المؤقت، وإنما تنطلق من رؤية واضحة للاقتصاد بوصفه منظومة متكاملة تُدار بالكفاءة، وتُبنى على الاستدامة، وتستهدف المستقبل بثقة، وهذا التحول يأتي امتداداً لمسار طويل بدأ مع رؤية السعودية 2030، التي انتقلت من مرحلة التأسيس والتجريب إلى مرحلة النضج والتثبيت، واليوم، تبدو السياسات الاقتصادية أكثر اتزاناً، وأكثر قدرة على المواءمة بين النمو والاستقرار، وبين الطموح والواقعية.

اقتصاد يتغير بهدوء وثقة

خلال الأعوام الماضية، اعتمدت المملكة على سياسة تحفيزية واسعة النطاق، وتوسّع الإنفاق الرأسمالي، وأُطلقت مشاريع كبرى، وأُعيد بناء البنية التحتية الاقتصادية، وهذه المرحلة أسست قاعدة قوية للنمو، ورفعت قدرة الاقتصاد على التكيف مع المتغيرات العالمية.

ومع عام 2026، يبدأ مسار مختلف في الأدوات، مع ثبات في الأهداف، فاتجه التركيز نحو التنظيم الذكي، وأصبحت كفاءة الإنفاق أولوية، وتحول قياس الأثر الاقتصادي لكل ريال يُنفق إلى معيار رئيسي، وهذا التحول لا يعني التراجع عن المشاريع الاستراتيجية، بقدر ما يعني إدارتها بدرجة أعلى من الانضباط المالي والحوكمة.

وفي هذا السياق، جاءت موافقة وزارة المالية على خطة اقتراض بنحو 217 مليار ريال، فالخطة تهدف إلى تغطية العجز المتوقع في الميزانية، والمقدّر بنحو 44 مليار دولار، إلى جانب سداد التزامات دين قائمة، وهذا القرار يعكس إدارة مرنة للمالية العامة، وقدرة على استخدام أدوات التمويل دون الإخلال بزخم الاستثمار أو الاستقرار الاقتصادي.

نمو يتقدم بثبات في بيئة عالمية متقلبة

وتحمل التوقعات الاقتصادية لعام 2026 مؤشرات إيجابية للاقتصاد السعودي، حيث يتوقع البنك الدولي نمواً بنسبة 4.3 في المئة، مدفوعاً بقوة الأنشطة غير النفطية التي يُتوقع أن تنمو بنحو 4 في المئة، إلى جانب نمو الأنشطة النفطية بنسبة 5.4 في المئة، كما أنّ هناك تقديرات مؤسسات مالية دولية أخرى، مثل Standard Chartered، تشير إلى نمو يصل إلى 4.5 في المئة، وهذا المعدل يتجاوز متوسط النمو العالمي المتوقع عند 3.4 في المئة، وبدورها تستهدف الميزانية السعودية نمواً يقارب 4.6 في المئة، مدعوماً باستثمارات ضخمة تمتد لعشر سنوات، وتصل قيمتها إلى تريليونات الريالات. وهذه الأرقام تعكس تحوّلاً هيكلياً واضحاً، إذ أصبح الاقتصاد غير النفطي محركاً رئيسياً للنمو، ولعبت قطاعات الصناعة، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والطاقة المتجددة أدواراً متزايدة، فيما يتراجع الاعتماد على النفط تدريجياً، مع الحفاظ على دوره كمصدر مهم للدخل والاستقرار المالي.

فبراير وفتح الأسواق المالية

وابتداءً من فبراير 2026، تدخل السوق المالية السعودية مرحلة جديدة مع فتحها أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب دون قيود سابقة، في خطوة تقودها "تداول"، وتحمل دلالات اقتصادية عميقة تتجاوز زيادة السيولة. ويعكس هذا القرار ثقة الجهات التنظيمية في نضج السوق، وفي قدرة البنية التشريعية والرقابية على استيعاب تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، كما يعزز مكانة السوق السعودي بين أكبر الأسواق الناشئة عالمياً، ويمنح المستثمرين الدوليين وصولاً مباشراً إلى اقتصاد متنوع ومشاريع كبرى وشركات قيادية. ويشكل فتح السوق أيضاً رسالة واضحة عن التزام المملكة بمبادئ الشفافية، وحوكمة الشركات، وتكافؤ الفرص الاستثمارية، وهذه العوامل تُعد اليوم من أهم محددات قرارات الاستثمار العالمية، خاصة في بيئة تتسم بارتفاع حساسية المخاطر.

تشريعات جديدة لاقتصاد أكثر كفاءة

ويشهد عام 2026 دخول حزمة من التشريعات الاقتصادية والتنظيمية حيز التنفيذ، وهذه التشريعات تعكس توجهاً نحو اقتصاد يُدار بالبيانات، وتُبنى قراراته على الكفاءة والاستدامة. ومن أبرز التشريعات إقرار قواعد الاستخدام الثانوي للبيانات، التي تفتح آفاقاً جديدة للاستثمار في مجالات التقنية، والذكاء الاصطناعي، والتقنية المالية، والخدمات الرقمية، حيث تتحول البيانات إلى أصل اقتصادي حقيقي، يدعم الابتكار، ويعزز تنافسية الشركات، ويرفع إنتاجية الاقتصاد. في الإطار نفسه، يبدأ تطبيق النظام المحدث للضريبة الانتقائية على المشروبات المحلاة، مع نسب أعلى على المنتجات ذات المحتوى السكري المرتفع، وهذا التوجه يدعم الصحة العامة، ويشجع أنماط استهلاك أكثر وعياً، ويقلل الأعباء الصحية طويلة الأجل. كما تُطبق إلزامية استخدام العنوان الوطني في جميع الشحنات البريدية، وهذه الخطوة ترفع كفاءة الخدمات اللوجستية، وتدعم نمو التجارة الإلكترونية، وتخفض تكاليف التشغيل، ما ينعكس إيجاباً على الشركات والمستهلكين.

أرامكو وإدارة المرحلة

من جهة أخرى ووسط انخفاض نسبي في أسعار النفط، تواصل أرامكو السعودية دورها المحوري في الاقتصاد الوطني إصدار سندات بقيمة 4 مليارات دولار، الأمر الذي يأتي في إطار إدارة مالية مرنة، تهدف إلى مواجهة ضغوط الإيرادات، مع الحفاظ على الخطط الاستثمارية والاستراتيجية. وهذه الخطوة تعكس قدرة الشركة، والدولة من خلفها، على التعامل مع دورات السوق النفطية بأدوات متنوعة، وعدم الاعتماد على الإيرادات الجارية وحدها، كما تؤكد أن التحول الاقتصادي يمنح المملكة هامش حركة أوسع في إدارة مواردها المالية.

الاستثمار الأجنبي في قلب التحول

وتصب جميع التطورات في هدف مركزي يتمثل في تعزيز جاذبية المملكة للاستثمار الأجنبي، البيئة الاستثمارية السعودية اليوم تتسم بوضوح السياسات، واستقرار التشريعات، وتنوع الفرص، وقوة البنية التحتية.

المستثمر الأجنبي لا يبحث فقط عن العائد، بل عن الاستقرار، والقدرة على التنبؤ، وسهولة ممارسة الأعمال. في هذا الإطار، تقدم السعودية نموذجاً يجمع بين قوة الدولة ومرونة السوق، وبين التخطيط طويل الأجل والانفتاح على رأس المال العالمي.

فبراير… بداية فصل اقتصادي جديد

والقول بأنّ فبراير 2026 يمثل بداية فصل اقتصادي جديد للمملكة ليس ضربًا من المبالغة، فأهم المشروعات السعودية المنتظرة "مشروع المربع" قد دخل يدخل متقدمة مع طرح حلول تشطيب حديثة وجاهزة لتسريع التنفيذ ورفع الكفاءة، حيث تركز الجهة المطوّرة على تبنّي حلول تشطيب حديثة وجاهزة تهدف إلى تسريع وتيرة التنفيذ ورفع كفاءة الأداء، بما يواكب حجم المشروع وطموحاته العمرانية. ويُعد «المكعب» أيقونة معمارية بارزة وقلبًا نابضًا لوجهة المربع الجديد، مستلهمًا في تصميمه العمارة النجدية، ليجسّد هوية عمرانية تجمع بين الأصالة والحداثة. ويبلغ طول المبنى وعرضه وارتفاعه 400 متر لكل منها، ما يجعله أحد أضخم الهياكل المشيّدة في العالم.

ونظرًا لضخامة المشروع وتعقيد مراحله التنفيذية، اتجهت الجهة المطوّرة إلى الاستفادة من أنظمة التشطيب الجاهزة والمصنّعة خارج الموقع، ولا سيما في العناصر غير الإنشائية، بهدف تقليص مدة التنفيذ، وتعزيز ضبط الجودة، والحد من المخاطر المرتبطة بالأعمال التقليدية في مواقع الإنشاء الكبرى.

وفي هذا الإطار، جرى توجيه دعوة مفتوحة للشركات المتخصصة لاستطلاع جاهزية السوق، مع التركيز على حلول متقدمة تشمل وحدات الحمّامات والمطابخ وغرف الملابس الجاهزة، وأنظمة القواطع الفولاذية، وغيرها من التجهيزات المعيارية التي يمكن تركيبها بكفاءة ضمن الأبراج الأربعة المحيطة بالمكعب.

وتتوزع هذه الأبراج وظيفيًا بين الاستخدامات السكنية والمتعددة، وترتفع إلى نحو 375 مترًا، بواقع أكثر من 80 طابقًا لكل برج، الأمر الذي يجعل من الحلول الجاهزة خيارًا استراتيجيًا يسهم في تحقيق المرونة والسرعة والدقة في التنفيذ. وشهدت الفترة الماضية حراكًا واسعًا في التعاقدات، شمل مجالات الاستشارات الهندسية ودعم التصميم والإنشاء للبنية التحتية والمباني العامة والفراغات المفتوحة، إضافة إلى التصميم المعماري للمجمعات السكنية والمناطق المحيطة بالمكعب، والتخطيط والتصميم المتكامل لمنطقة المشروع، وتطوير التجارب الغامرة والرؤية الإبداعية للمساحات الداخلية، إلى جانب تنفيذ الأعمال التمهيدية والحفر العميق، وأعمال الأساسات الأولية.

ومع الاستعداد لترسية عقد رئيس لأعمال الأساسات الكبرى، تتجه المرحلة المقبلة نحو اعتماد منهجيات تنفيذ حديثة تقوم على التكامل بين التصميم والتصنيع والتركيب، ليخرج مشروع «المكعب» كمعلم عمراني عالمي يعكس طموح المكان وحجم الرؤية التنموية.

تصب جميع التطورات في تعزيز جاذبية المملكة للاستثمار الأجنبي


إقرأ المزيد