جريدة الرياض - 2/6/2026 1:34:59 AM - GMT (+3 )
لم يبدأ الأمر ببلاغ رسمي، ولا بشكوى موثقة، بل بتفاصيل صغيرة تكررت على نحو لافت في أحاديث متفرقة لمتسوقين لا تجمعهم صلة، سوى تجربة شراء متشابهة داخل محلات بيع الذهب. عبارات عابرة عن «خصم مقابل الدفع كاش»، وعن ضريبة تُحسب على الملصق ثم يُعاد التعامل معها كاتفاق غير مكتوب بين البائع والمشتري عند صندوق المحاسبة. لم يكن الحديث موجّهًا ضد محل بعينه، ولا مدعومًا بأرقام أو مستندات، لكنه كان كافيًا لطرح سؤال مهني مشروع: هل ما يُتداول مجرد انطباعات فردية، أم أنه يعكس ممارسة أوسع داخل سوق الذهب؟
بدافع التحقق لا الاتهام، كان القرار بالنزول إلى الميدان. الدخول إلى محلات الذهب كمشتري عادي، دون صفة صحفية، وطرح الأسئلة ذاتها التي قد يطرحها أي مستهلك يبحث عن طقم أو سبيكة، ومراقبة ما يتغير حين تتغير وسيلة الدفع. الهدف لم يكن البحث عن مخالفة بقدر ما كان محاولة لفهم آلية البيع في هذا القطاع تحديدًا، وكيف يُقدَّم «الخصم»، وأين تُعاد هندسة الضريبة بين السعر المعلن على القطعة والفاتورة النهائية.
من الزيارة الأولى، بدت الإشارات أوضح مما كان متوقعًا. تتبدل نبرة الحديث فور ذكر الدفع النقدي، ويُعاد احتساب السعر سريعًا داخل محلات الذهب نفسها، دون أن يطرأ أي تغيير على وزن القطعة أو مصنعيتها. ومع تكرار الجولة في أكثر من محل، تبيّن أن المسألة لا تتعلق بحالة فردية أو تصرّف عابر، بل بنمط يتكرر بهدوء، ويُمارَس بوصفه إجراءً غير مكتوب، لكنه مألوف، ولا يثير التساؤل لدى أطرافه.
عند هذه النقطة، تغيّر جوهر السؤال. لم يعد مقتصرًا على وجود مخالفة من عدمها داخل محلات الذهب، بل اتسع ليشمل كيف تحوّلت الضريبة من التزام نظامي واضح إلى بند قابل للتفاوض، وكيف أصبح «الكاش» أداة لإعادة ترتيب الحسابات خارج الإطار المعلن، في سوق يفترض أن تكون أسعاره وبياناته من الأكثر وضوحًا وتنظيمًا.
الضريبة بين التلميح والتصريح
ولأن الأحاديث المتداولة كانت تشير إلى أن هذه الممارسات تنتشر في أسواق بعينها أكثر من غيرها، توسّعت الجولة الميدانية لتشمل نطاقًا جغرافيًا أوسع داخل مدينة الرياض. البداية كانت من محلات الذهب في جنوب المدينة، حيث الأسواق الشعبية والحركة التجارية النشطة، ويغلب الطابع المباشر في البيع. هناك، بدا عرض «الكاش مقابل الخصم» أكثر حضورًا، ويُطرح غالبًا دون تردد، وكأنه جزء غير معلن من قواعد التعامل. لكن المشهد لم يكن حكرًا على موقع واحد. امتدت الزيارات إلى محلات في شرق الرياض وشمالها، داخل مراكز تجارية أكثر تنظيمًا، وواجهات توحي بالتزام أعلى بالأنظمة. في هذه المواقع، ظهرت الممارسة ذاتها، وإن بصياغات أكثر حذرًا. الخصم لا يُعرض صراحة، بل يُلمَّح إليه، وتُترك للمشتري مساحة الاستفسار قبل أن يُفتح باب «الحساب المختلف. هذا التفاوت في الأسلوب لا ينفي وجود الظاهرة، بل يكشف اختلاف طرق تمريرها. ففي حين تُمارس في بعض الأسواق بوضوح، تُدار في أخرى بهدوء أكبر، دون أن تختفي. وهو ما يعزز فرضية أن القضية لا ترتبط بمكان محدد، بقدر ما تعكس ثقافة بيع ترى في الضريبة بندًا قابلًا للمناورة، متى ما توفرت الظروف.
ومع اتساع دائرة الرصد الميداني، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كانت الممارسة تتغير حدتها باختلاف الموقع وطبيعة السوق، فكيف يمكن ضبطها بشكل عادل، يضمن حق الدولة، ويحمي المستهلك من أن يكون الطرف الأضعف في معادلة يفترض أن تكون واضحة منذ لحظة الإعلان عن السعر؟
الخصم النقدي الصامت
دخلتُ المحل في ساعة متأخرة من المساء. واجهة زجاجية مضاءة بعناية، وقطع ذهبية مصطفّة بانتظام خلف الزجاج، وهدوء يوحي بأن كل شيء يسير وفق النظام. خلف الطاولة، كان البائع منشغلًا بترتيب بعض القطع، رفع رأسه بابتسامة سريعة ودعاني للاطلاع، كما لو أن الأمر لا يتجاوز اختيار سوار أو خاتم، بلا تعقيدات تُذكر. توقفت عند قطعة محددة وسألت عن سعرها. جاء الجواب واضحًا في البداية، رقم محسوب بدقة، يُذكر بثقة. ثم، وكأنه يستدرك تفصيلة جانبية، عاد ليقول إن السعر قد يختلف «في حال كان الدفع كاش». لم تُذكر الضريبة صراحة، لكنها كانت حاضرة بين السطور، مفهومة دون شرح. وحين سألت عنها بشكل مباشر، جاء الرد هادئًا ومختصرًا: في هذه الحالة لن تُحتسب. لم يتغير شيء في نبرة الحديث، ولم يظهر تردد، وكأن الأمر إجراء معروف لا يحتاج إلى تبرير طويل. سألت عن السبب، لا بدافع الجدل، بل بدافع الفهم. عندها مال قليلًا إلى الأمام، وخفّض صوته، وقال إنه بحاجة إلى السيولة في تلك اللحظة. هناك زبونة ستصل بعد وقت قصير لبيع ذهبها، ويحتاج إلى دفع قيمته فورًا. بدا التبرير جاهزًا، يُقال بثقة، وكأنه جزء من يوميات العمل، لا استثناء فيها ولا مفاجأة. أشرت إلى أن الضريبة يفترض أن تكون واضحة في الفاتورة، لكنه طمأنني بأن الفاتورة ستُصدر، «لكن من دونها». ثم أنهى الحديث بجملة بدت كأنها تلخّص المنطق الذي تُدار به هذه المعادلة: الجميع مستفيد، ولا أحد متضرر.
في ذلك المحل الهادئ، تحت الأضواء اللامعة، لم تُطرح المخالفة بوصفها تجاوزًا، بل قُدّمت كتفاهم عابر، يُمرَّر بهدوء، ويُعامل كجزء غير معلن من عملية بيع يفترض أن تكون واضحة منذ بدايتها.
التفاف غير معلن
تروي ام حمد تجربتها بنبرة هادئة لا تخلو من أسفٍ متأخر، كأنها تستعيد المشهد وهي تدرك تفاصيله الآن بوضوحٍ لم يكن متاحًا لها آنذاك. تقول إنها توجهت إلى أحد محال الذهب لشراء طقم بمناسبة زواج شقيقتها، وقد دخلت السوق وهي تحمل ميزانية محددة وقرارًا محسومًا بعدم تجاوزها. كل شيء بدا طبيعيًا منذ اللحظة الأولى؛ محل منظم، قطع مصنفة بعناية، وأسعار معلنة لا توحي بوجود مفاجآت. بعد أن استقرت على طقم مناسب، سألت عن السعر النهائي، فجاءها الرقم واضحًا. غير أن البائع عاد وأضاف بهدوء أن السعر يختلف في حال الدفع بالبطاقة. استوقفتها العبارة، فسألته عن السبب، ليجيب بأن الدفع نقدًا «يوفر الضريبة». لم تكن أم حمد مطلعة على تفاصيل ضريبة القيمة المضافة، ولا على آلية احتسابها أو الجهة الملزمة بها، وتقول إنها افترضت – بحسن نية – أن ما يُعرض عليها إجراء نظامي، خاصة أن البائع بدا واثقًا، وتحدث عن الأمر وكأنه ممارسة شائعة لا خلاف عليها. تستعيد قوله: «كثير من الزبائن يفضلون الكاش، والخصم في صالحنا نحن الاثنين». عرض عليها خصمًا يقارب قيمة الضريبة، مع وعد بإصدار فاتورة مختصرة. لم يشرح الفرق بين السعرين، ولم يوضح أن الضريبة التزام نظامي على التاجر لا على المستهلك، ولم يُترك لها مجال لاتخاذ قرار مبني على معلومة كاملة. وفي ظل ضغط المناسبة، والرغبة في الالتزام بالميزانية، وافقت. مرت الأيام، وبدا الأمر منتهيًا، إلى أن فتح حديث عابر مع إحدى قريباتها باب الأسئلة. عندها فقط بدأت أم حمد تدرك أن ما حدث لم يكن خصمًا بالمعنى الحقيقي، بل إعادة ترتيب للفاتورة على حساب الشفافية. تقول: «شعرت أنني لم أكن مستفيدة كما ظننت، بل تم تمرير الأمر عليّ بهدوء، وكأنني شريكة في قرار لم أفهم تبعاته.
اليوم، تنظر أم حمد إلى التجربة بوصفها درسًا مؤلمًا في وعي المستهلك، لا لأنها دفعت مبلغًا إضافيًا، بل لأنها اتخذت قرارًا دون أن تُعرض عليها الصورة كاملة. تؤكد أن المشكلة لا تكمن في وجود خصومات أو اختلاف وسائل الدفع، بل في غياب الشفافية، حين يُدفع الزبون إلى الاختيار تحت ضغط الوقت والثقة، دون أن يُشرح له ما له وما عليه، وما هو نظامي وما يُقدَّم له على أنه «تسهيل» وهو في جوهره التفاف غير معلن على الالتزامات.
الضريبة ليست تفاوضاً
يوضح خالد العتيق، المختص في الأنظمة الضريبية والمحاسبة القانونية، أن ما يتكرر في بعض محال بيع الذهب من ربط السعر بطريقة الدفع يمثل إشكالية نظامية تتجاوز كونها تصرفًا فرديًا أو «تفاهمًا وديًا» بين بائع ومشتري. ويؤكد أن ضريبة القيمة المضافة في السعودية التزام نظامي يقع بالكامل على عاتق التاجر، ولا يملك المستهلك أي صلاحية في تقرير احتسابها أو إسقاطها، مشددًا على أن «عرض خصم يعادل قيمة الضريبة مقابل الدفع النقدي يُعد ممارسة غير نظامية، حتى لو تم برضا الطرفين، لأن الضريبة ليست بندًا تفاوضيًا، بل حق عام للدولة. ويضيف العتيق أن ربط الضريبة بوسيلة الدفع يعد مؤشرًا واضحًا على التفاف محاسبي، موضحًا أن الدفع النقدي بحد ذاته ليس مخالفة، لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يُستخدم هذا الأسلوب لإخفاء الضريبة أو تقليصها. ويقول: «حين يُعاد تسعير السلعة فقط لأن وسيلة الدفع تغيّرت، دون أي تغيير في المنتج أو الخدمة، فنحن أمام خلل محاسبي صريح لا يمكن تبريره. وفيما يتعلق بإصدار الفواتير المختصرة أو غير المكتملة، يؤكد العتيق أن الفاتورة التي لا تتضمن الضريبة أو الرقم الضريبي الصحيح تُعد مخالفة تستوجب المساءلة النظامية، حتى لو أظهرت قيمة إجمالية أقل. ويشير إلى أن «الفاتورة النظامية ليست ورقة شكلية، بل وثيقة قانونية تثبت التزام المنشأة أمام الجهات المختصة، وأي تلاعب في بياناتها يضع التاجر تحت طائلة الغرامات، وقد يصل إلى عقوبات أشد في حال تكرار المخالفة. وحول تحميل المستهلك مسؤولية القرار، يرى العتيق أن هذه الممارسات تخلق وعيًا مضللًا لدى الزبائن، وتحوّلهم -دون قصد- إلى شركاء في مخالفة لا يدركون تبعاتها القانونية. ويقول: «المشكلة الأعمق ليست فقط في المخالفة نفسها، بل في تطبيع فكرة تجاوز النظام، وتحويلها إلى اتفاق ودي، بينما هي في حقيقتها إخلال بمبدأ العدالة الضريبية ومساس بثقة السوق. ويختم بالتأكيد على أن معالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على تكثيف الرقابة والعقوبات، بل تبدأ برفع وعي المستهلك بحقه في الحصول على فاتورة واضحة وسعر ثابت لا يتغير بتغيّر وسيلة الدفع. ويرى أن وعي السوق يشكل خط الدفاع الأول ضد مثل هذه الممارسات، إذ إن المستهلك المطلع أقل عرضة للانخداع بعروض ظاهرها الخصم وباطنها التهرب.
إقرأ المزيد


