جريدة الأنباء الكويتية - 3/8/2026 11:51:15 AM - GMT (+3 )
أحمد مغربي
مع دخول الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية أسبوعها الأول وتصاعد حدة التوترات في المنطقة من الرد السافر لإيران على دول المنطقة، برز الاقتصاد الكويتي كأحد الاقتصادات القادرة على امتصاص الصدمات الإقليمية والحفاظ على مستويات عالية من الاستقرار المالي والنقدي، ويستند هذا الأداء إلى مجموعة من المقومات الهيكلية المتينة التي يتمتع بها الاقتصاد الوطني، في مقدمتها ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، والتصنيف الائتماني السيادي القوي، وامتلاك الدولة واحدا من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، إلى جانب متانة القطاع المصرفي واستقرار السياسة النقدية، فضلا عن وجود قاعدة استثمارية محلية نشطة تسهم في دعم الأسواق المالية بأوقات التقلبات. وتستند هذه المرونة الاقتصادية إلى دعائم مالية واضحة، أبرزها الاحتياطيات السيادية الضخمة التي تديرها الهيئة العامة للاستثمار، واستقرار الدينار الكويتي، وصلابة المؤسسات المالية والرقابية، وهي عوامل شكلت على مدى السنوات الماضية شبكة أمان اقتصادية مكنت الاقتصاد من التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية بدرجة عالية من التوازن والاستقرار. وقد انعكس هذا التماسك الاقتصادي بشكل واضح على أداء بورصة الكويت بوصفها مرآة لحركة الاقتصاد الوطني ومؤشرا مبكرا لقياس مستوى الثقة في السوق خلال الأيام الأخيرة، إذ تمكنت السوق من استعادة غالبية خسائرها بنهاية جلسة يوم الخميس الماضي بعد موجة التراجع التي صاحبت تصاعد التوترات في المنطقة. ومع عودة التداولات إلى مستويات أكثر استقرارا، بدأت المؤشرات الرئيسية في التعافي التدريجي مدعومة بتدفقات السيولة المحلية وعودة النشاط الشرائي على عدد من الأسهم القيادية، وهو ما يعكس متانة السوق وقدرته على امتصاص الصدمات قصيرة الأجل، كما يشير هذا الأداء إلى استمرار ثقة المستثمرين في الأسس الاقتصادية للكويت، وقدرة السوق المالية على استعادة توازنها بسرعة في مواجهة التطورات الجيوسياسية الطارئة. ونستعرض فيما يلي أبرز العوامل التي تعكس متانة الاقتصاد الكويتي وتدعم قدرته على مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية:
قوة الفوائض النفطية
يستند الاقتصاد المحلي إلى قاعدة مالية متينة مدعومة بالإيرادات النفطية التي تمثل المصدر الرئيسي للدخل العام للدولة، وتشير البيانات الرسمية إلى أن إنتاج دولة الكويت من النفط الخام يبلغ نحو 2.580 مليون برميل يوميا خلال شهر مارس الجاري، على أن يرتفع بواقع 16 ألف برميل يوميا اعتبارا من شهر أبريل المقبل ليصل إلى مستوى 2.596 مليون برميل يوميا، وذلك ضمن التعديلات المعتمدة في اتفاق تحالف (أوپيك+). وتستند هذه القدرة الإنتاجية إلى قاعدة موارد هيدروكربونية ضخمة، إذ تمتلك الكويت نحو 101.5 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، وهو ما يعادل قرابة 6% من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، وتوفر هذه الموارد قاعدة مالية مستقرة للاقتصاد الوطني، إذ تشكل الإيرادات النفطية ما يقارب 85% إلى 90% من إجمالي إيرادات الميزانية العامة للدولة.
احتياطيات مالية ضخمة
تعد دولة الكويت من بين الدول التي تمتلك قاعدة قوية من الأصول السيادية والاستثمارات طويلة الأجل، إذ تدير الهيئة العامة للاستثمار أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، إلى جانب الاستثمارات التي تديرها المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وتشكل هذه الأصول ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والمالي، إذ توفر شبكة أمان مالية تمكن الدولة من التعامل مع التقلبات الاقتصادية والأزمات المالية بكفاءة.
سيولة محلية تدعم السوق
تلعب السيولة المحلية دورا محوريا في دعم استقرار الاقتصاد خلال فترات التقلبات، حيث تشكل الودائع المصرفية للمؤسسات والأفراد أحد أهم مصادر الدعم للأسواق المالية، وتشير البيانات الصادرة عن بنك الكويت المركزي إلى أن ودائع القطاع الخاص لدى البنوك المحلية بلغت نحو 41.12 مليار دينار بنهاية عام 2025، وهو ما يعكس وفرة السيولة داخل النظام المالي المحلي.
قطاع مصرفي قوي
يعد القطاع المصرفي الكويتي أحد أكثر القطاعات المالية استقرارا في المنطقة، حيث تعمل البنوك ضمن إطار رقابي صارم يشرف عليه بنك الكويت المركزي، وتتمتع البنوك بمعدلات مرتفعة من السيولة والملاءة المالية، إذ تشير بيانات البنك المركزي إلى أن نسبة كفاية رأس المال في البنوك تتجاوز 18%، وهي مستويات تفوق الحد الأدنى المطلوب وفق معايير (بازل 3) الدولية. ويعد استقرار الدينار الكويتي أحد أبرز عناصر القوة في الاقتصاد الوطني، حيث يواصل بنك الكويت المركزي إدارة السياسة النقدية بشكل متوازن يضمن استقرار العملة ومستويات التضخم، حيث يعتبر الدينار الكويتي من أقوى العملات في العالم من حيث القيمة، وهو ما يعكس متانة المركز المالي للدولة ويعزز الثقة في الاقتصاد المحلي والنظام المصرفي.
تنوع نسبي في الاقتصاد المحلي
على الرغم من استمرار الدور المحوري للقطاع النفطي في الاقتصاد الكويتي، فإن القطاعات غير النفطية تشهد نموا تدريجيا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتوسع الأنشطة الاقتصادية في مجالات الخدمات المالية والاتصالات والتجارة والعقار، وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن الأنشطة غير النفطية تسهم بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
استمرار ثقة المستثمرين
لاتزال بورصة الكويت تحافظ على جاذبيتها الاستثمارية رغم التقلبات الجيوسياسية، حيث تواصل استقطاب اهتمام المؤسسات الاستثمارية الإقليمية والعالمية، فقد ارتفعت ملكيات المستثمرين الأجانب في السوق الأول ببورصة الكويت إلى نحو 7 مليارات دينار، مدفوعة بتحسن البيئة الاستثمارية وارتفاع مستويات الإفصاح والشفافية.
كما عزز إدراج بورصة الكويت ضمن مؤشرات الأسواق الناشئة العالمية مثل MSCI وFTSE Russell وS&P من حضور الاستثمارات الأجنبية المؤسسية، وأسهم في جذب تدفقات استثمارية من الصناديق العالمية التي تتبع هذه المؤشرات.
الاقتصاد النفطي يستفيد من التوترات أحياناً
تاريخيا، غالبا ما تؤدي التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط إلى دعم أسعار النفط أو الحفاظ على مستويات مرتفعة نسبيا، وهو ما ينعكس إيجابيا على الاقتصادات النفطية ومنها الكويت. وتظل الإيرادات النفطية عاملا رئيسيا في دعم المالية العامة للدولة وتعزيز قدرتها على تمويل المشاريع التنموية.
وتحقق الكويت سنويا فائضا مستمرا في الحساب الجاري بفضل صادرات النفط المرتفعة، ما يعزز من تدفقات النقد الأجنبي ويدعم الاستقرار المالي للدولة. ويسهم هذا الفائض في تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات في الأسواق العالمية.
زخم مشاريع البنية التحتية
تواصل دولة الكويت العمل على تنويع اقتصادها من خلال تنفيذ عدد من مشاريع البنية التحتية الكبرى والمشاريع التنموية الإستراتيجية، إلى جانب تعزيز مشاركة القطاع الخاص في هذه المشاريع، حيث رصدت البلاد انفاق رأسمالي يبلغ 2.2 مليار دينار خلال السنة المالية 2025 /2026، ليرتفع خلال الموازنة المقبلة 2026/2027 التي تبدأ في أبريل المقبل إلى نحو 3.1 مليارات دينار.
يأتي ذلك في إطار رؤية الكويت 2035 التي تهدف إلى تعزيز الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا، ويستند الاقتصاد إلى مركز مالي حكومي قوي مدعوم بالأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، وتوفر هذه الأصول للدولة مرونة مالية كبيرة تسمح بتمويل الإنفاق العام والمشاريع التنموية حتى في فترات التقلبات الاقتصادية أو انخفاض أسعار النفط.
تعدد مصادر الاستيراد واستقرار الإمدادات
تتمتع الكويت بقدرة عالية على تأمين احتياجاتها من السلع الأساسية بفضل تنوع مصادر الاستيراد واستقرار منظومة التجارة الخارجية. وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن البلاد تعتمد على شبكة واسعة من الشركاء التجاريين في استيراد السلع الغذائية والاستهلاكية والصناعية، ما يقلل من مخاطر اضطراب الإمدادات خلال فترات التوترات الإقليمية.
كما تسهم قوة المركز المالي للدولة وارتفاع القدرة الشرائية للاقتصاد في ضمان استمرار تدفق السلع إلى السوق المحلي دون تأثيرات كبيرة، إضافة إلى وجود منظومة رقابية وتنظيمية تديرها الجهات المختصة لمتابعة المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، الأمر الذي يعزز استقرار الأسواق المحلية خلال فترات التقلبات العالمية.
وفي ظل هذه العوامل مجتمعة، تبدو قدرة الاقتصاد الكويتي على التعامل مع تداعيات التوترات الجيوسياسية الحالية مدعومة بمجموعة من المقومات المالية والمؤسسية التي تمنحه درجة عالية من الاستقرار، وهو ما يفسر سرعة تعافي الأسواق المحلية واستمرار النشاط الاقتصادي رغم الظروف الإقليمية المعقدة.
إقرأ المزيد


