جريدة الأنباء الكويتية - 3/14/2026 6:43:37 PM - GMT (+3 )
أحمد مغربي
مع دخول الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية مرحلة تصعيد متواصل، وتعرض عدد من دول الخليج لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة، واجهت اقتصادات المنطقة اختبارا حقيقيا لمدى قدرتها على الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي في ظل ظروف أمنية استثنائية. وفي هذا الإطار، برز الاقتصاد الكويتي كنموذج لاقتصاد يتمتع بقدر ملحوظ من المرونة المؤسسية، إذ واصلت المؤسسات الاقتصادية والمالية أداء أعمالها رغم التطورات الإقليمية المتسارعة، مستندة إلى بنية مؤسسية راسخة وخطط طوارئ معدة مسبقا للتعامل مع الأزمات. وأظهرت التطورات خلال الأسبوعين الماضيين منذ اندلاع الحرب أن الدولة تعاملت مع المستجدات عبر تفعيل منظومة متكاملة لإدارة المخاطر الاقتصادية، شملت إجراءات احترازية في قطاعات حيوية مثل القطاع المالي والطاقة والتجارة والخدمات والاتصالات، مع الحفاظ على استمرارية الأنشطة الأساسية، كما عكست الإجراءات الحكومية مستوى مرتفعا من التنسيق بين الجهات الاقتصادية والأمنية لضمان استمرار الخدمات الحيوية وتفادي أي اضطرابات كبيرة في النشاط الاقتصادي.
وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد الكويتي يمتلك مقومات داعمة للقدرة على مواجهة الصدمات الإقليمية، وفي مقدمتها قوة المركز المالي للدولة، وارتفاع حجم الاحتياطيات السيادية، واستقرار القطاع المصرفي. وفي ظل هذه المعطيات، بادرت المؤسسات الاقتصادية إلى تفعيل خطط استمرارية الأعمال وإعادة تنظيم بعض العمليات التشغيلية بما يضمن استمرار تقديم الخدمات، بما يعكس جاهزية الاقتصاد المحلي للعمل حتى في ظل ظروف استثنائية دون توقف عجلة النشاط الاقتصادي.. وهو ما نستعرض أبرز ملامحه كالتالي:
استجابة حكومية سريعة لإدارة الأزمة
مع اندلاع طبول الحرب في 28 فبراير الماضي وما رافقها من عدوان سافر استهدف دولة الكويت بالصواريخ والمسيرات، سارعت الحكومة إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات التنظيمية والاحترازية الهادفة إلى ضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة والحفاظ على انتظام الخدمات العامة والأنشطة الاقتصادية، وشملت هذه الإجراءات رفع مستوى الجاهزية في القطاعات الحيوية وتفعيل خطط الطوارئ في الجهات الحكومية والمؤسسات الاقتصادية لضمان استمرارية العمل في الظروف الاستثنائية.
وفي هذا الإطار، أصدر ديوان الخدمة المدنية تعميما يقضي بتنظيم دوام الموظفين في الجهات الحكومية بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الأساسية مع تقليل كثافة الحضور في مقار العمل، حيث تم تحديد نسبة الحضور بما لا يتجاوز 30% من إجمالي عدد الموظفين في كل جهة حكومية، مع اعتماد نظام التدوير الأسبوعي بين الموظفين.
البنوك تفعل خطط استمرارية الأعمال وتوسع الخدمات الإلكترونية
في القطاع المصرفي، أكد بنك الكويت المركزي جاهزية البنوك المحلية للتعامل مع الظروف الاستثنائية، وأن القطاع المصرفي قام بتفعيل خطط استمرارية الأعمال وخطط الطوارئ لضمان استمرار تقديم الخدمات المصرفية والمالية للعملاء دون انقطاع.
وأظهرت الأزمة أن الأنظمة المصرفية والبنية التحتية المالية في البلاد تعمل بكفاءة عالية، وأن البنوك تواصل تقديم خدماتها عبر الفروع العاملة وأجهزة السحب الآلي، إضافة إلى القنوات الرقمية والتطبيقات المصرفية الإلكترونية التي تتيح للعملاء إجراء معاملاتهم المصرفية بسهولة وفي أي وقت. فضلا عن استمرار عمل أنظمة الدفع الإلكتروني الوطنية التي تشمل خدمات الدفع عبر نقاط البيع والتحويلات الإلكترونية وخدمة «ومض» للتحويلات الفورية بين الحسابات المصرفية، إلى جانب خدمات الدفع الرقمية الأخرى التي تمكن الأفراد والشركات من تنفيذ عملياتهم المالية بسرعة وأمان.
القطاع النفطي يتجه إلى إجراءات احترازية وإدارة الإنتاج
في قطاع الطاقة، اتخذت مؤسسة البترول الكويتية سلسلة من الإجراءات الاحترازية لضمان استمرارية العمليات التشغيلية وحماية المنشآت النفطية في ظل التوترات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، وشملت هذه الإجراءات تخفيضا احترازيا مؤقتا في مستويات إنتاج النفط وبعض عمليات التكرير. وتنتج الكويت نحو 2.580 مليون برميل يوميا من النفط الخام وفقا لالتزاماتها ضمن اتفاق تحالف (أوپيك)+، مع قدرة إنتاجية مدعومة باحتياطيات ضخمة تبلغ نحو 101.5 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، أي ما يعادل نحو 6% من الاحتياطيات النفطية العالمية.
«البورصة» و«هيئة الأسواق» تؤكدان مواصلة التداول
في سوق المال، أكدت بورصة الكويت وهيئة أسواق المال جاهزية البنية التشغيلية للسوق واستمرار عمل أنظمة التداول وفق الخطط المعتمدة لإدارة الطوارئ. وأوضحت بورصة الكويت أن أنظمة التداول والمقاصة والتسوية تعمل بصورة طبيعية، وأن السوق يطبق إجراءات استمرارية الأعمال المعتمدة لضمان استقرار العمليات التشغيلية.
وتضم بورصة الكويت نحو 142 شركة مدرجة موزعة على 13 قطاعا اقتصاديا، فيما تجاوزت القيمة السوقية للشركات المدرجة مستوى 51 مليار دينار، في حين تبلغ ملكية المستثمرين الأجانب في السوق الأول نحو 7 مليارات دينار، مدفوعة بإدراج السوق ضمن مؤشرات الأسواق الناشئة العالمية مثل MSCI وFTSE Russell وS&P Dow Jones، الأمر الذي عزز حضور الاستثمارات الأجنبية المؤسسية في السوق الكويتي.
الأسواق المحلية تواصل نشاطها بدعم الإنتاج المحلي وتنوع الإمدادات
على مستوى الأسواق المحلية، واصلت المجمعات التجارية والجمعيات التعاونية في مختلف مناطق البلاد عملها بصورة طبيعية، مع استمرار توافر السلع الغذائية والاستهلاكية دون انقطاع يذكر، حيث برزت مساهمة المنتج المحلي الغذائي والصناعي في دعم استقرار الأسواق، حيث توفر المزارع المحلية وشركات الصناعات الغذائية نسبة مهمة من احتياجات السوق من الخضراوات والمنتجات الغذائية المصنعة. وفي الوقت ذاته، أسهم تنوع مصادر الاستيراد وتعدد منافذ دخول السلع إلى البلاد في الحد من تأثير أي اضطرابات محتملة في حركة الملاحة البحرية في الخليج، حيث تعتمد الكويت على شبكة واسعة من الشركاء التجاريين لتأمين وارداتها الغذائية والصناعية. كما لعبت المنافذ البرية مع المملكة العربية السعودية دورا مهما في استمرار تدفق البضائع والشاحنات إلى السوق المحلي، وهو ما عزز استقرار الإمدادات وأسهم في الحفاظ على انتظام حركة الأسواق خلال الأزمة.
وزارة التجارة تضبط السوق بقراري منع التصدير وتثبيت الأسعار
في سياق إدارة الدولة لتداعيات الحرب على السوق المحلي، اتخذت وزارة التجارة والصناعة إجراءات مباشرة لحماية المستهلك وتعزيز استقرار الإمدادات، تمثلت في إصدار قرارين وزاريين بشأن حظر تصدير كافة أنواع السلع الغذائية لمدة شهر اعتبارا من 1 مارس، وتثبيت أسعار بيع السلع الغذائية خلال الفترة نفسها، وذلك بهدف المحافظة على المخزون الاستراتيجي ومنع أي ارتفاعات غير مبررة في الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة. وتعكس هذه القرارات انتقال الدولة من مرحلة المتابعة إلى التدخل التنظيمي المباشر لضبط السوق، إذ ترافقت مع تكثيف الجولات الرقابية على منافذ البيع والجمعيات التعاونية والأسواق المركزية لرصد أي محاولات للاحتكار أو رفع الأسعار دون مبرر.
جسر جوي لتأمين السلع الغذائية الطازجة
في إطار تعزيز الأمن الغذائي وضمان استقرار الأسواق المحلية خلال الأزمة، أعلنت وزارة التجارة والصناعة بالتنسيق مع الجهات المعنية تسيير أولى الرحلات الجوية لنقل شحنات من المواد الغذائية الطازجة إلى البلاد عبر الخطوط الجوية الكويتية، وذلك ضمن إجراءات احترازية تهدف إلى تأمين الإمدادات الغذائية في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة. وتأتي هذه الخطوة لضمان استمرار تدفق السلع الغذائية الأساسية إلى السوق المحلي دون انقطاع، خصوصا المنتجات الطازجة، بما يدعم استقرار الأسعار ويعزز وفرة المعروض في الأسواق. كما تعكس هذه المبادرة مستوى التنسيق بين الجهات الحكومية والقطاعات اللوجستية لضمان استمرارية سلاسل الإمداد وتلبية احتياجات المستهلكين، في ظل التوترات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على حركة التجارة والنقل في المنطقة.
الشركات اللوجستية تضمن استمرارية حركة التجارة
في موازاة ذلك، لعبت شركات الخدمات اللوجستية والشحن والنقل دورا محوريا في الحفاظ على استمرارية النشاط التجاري خلال الأزمة، حيث واصلت هذه الشركات تشغيل عملياتها لضمان استمرار حركة البضائع والسلع إلى الأسواق المحلية، وقد ساعدت البنية اللوجستية في الكويت، التي تشمل الموانئ وشبكات النقل البري، على استمرار تدفق الشحنات التجارية والمواد الغذائية والصناعية إلى السوق المحلي دون اضطرابات كبيرة. كما أسهمت شركات الشحن والخدمات اللوجستية في دعم عمليات الاستيراد والتوزيع داخل البلاد، ما عزز قدرة الأسواق على الحفاظ على استقرار الإمدادات.
الخدمات الرقمية تعزز استمرارية النشاط الاقتصادي
أظهرت الأزمة الدور المتنامي للتحول الرقمي في دعم استمرارية النشاط الاقتصادي، حيث أسهمت الخدمات الإلكترونية الحكومية والمالية في استمرار العديد من المعاملات دون الحاجة إلى الحضور المباشر إلى مقار المؤسسات. وقد ساعد ذلك على الحفاظ على انسيابية الخدمات العامة والمالية في ظل الإجراءات الاحترازية المرتبطة بتنظيم دوام الموظفين، وواصلت الجهات الحكومية والخاصة تقديم خدماتها عبر المنصات الإلكترونية، الأمر الذي مكن الأفراد والشركات من إتمام معاملاتهم المالية والإدارية بكفاءة وفي مختلف الأوقات.
وإجمالا، تكشف التطورات الأخيرة أن الاقتصاد الكويتي يمتلك بنية مؤسسية قوية قادرة على العمل في ظروف استثنائية، حيث نجحت المؤسسات الاقتصادية والمالية في الحفاظ على استمرارية نشاطها رغم التحديات الأمنية التي شهدتها المنطقة، فمن القطاع المصرفي الذي واصل تقديم خدماته بكفاءة، إلى القطاع النفطي الذي حافظ على مستويات الإنتاج، مرورا بالأسواق المحلية التي استمرت في تلبية احتياجات المستهلكين، يظهر الاقتصاد الكويتي قدرة واضحة على التكيف مع الأزمات. وتعزز هذه التجربة الثقة في متانة الاقتصاد الوطني وقدرته على تجاوز تداعيات التوترات الإقليمية، مستندا إلى قوة مؤسساته المالية ومرونة قطاعاته الحيوية.
إقرأ المزيد


