إيران تُلحق ضرراً بالوقود المكرر مقارنةً بالنفط مع حيرة المستوردين
جريدة الرياض -

استحوذت خسارة ما يصل إلى 20 % من إمدادات النفط الخام والوقود المكرر في العالم، نتيجةً للإغلاق الفعلي المستمر لمضيق هرمز، على معظم اهتمام وسائل الإعلام باعتبارها التداعيات الرئيسة للهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران. لكن ما يثير قلقاً أكبر هو التضييق السريع لأسواق المنتجات المكررة في آسيا، حيث تواجه دول مستوردة رئيسة مثل: أستراليا وإندونيسيا وضعاً طارئاً يتمثل في انخفاض الإمدادات وارتفاع الأسعار بشكل كبير.

تُعدّ أستراليا أكبر مستورد للمنتجات المكررة في آسيا، بمتوسط ​​900 ألف برميل يوميًا، بينما تحتل إندونيسيا المرتبة الثانية بواردات تبلغ حوالي 600 ألف برميل يوميًا، وفقًا لبيانات جمعتها شركة "كيبلر" لتحليل السلع.

ويشكل الديزل المكون الأكبر من واردات أستراليا، وهو وقود حيوي لاستمرار عمليات التعدين الضخمة في البلاد، بينما يستحوذ البنزين على الحصة الأكبر من واردات إندونيسيا.

تكمن المشكلة بالنسبة لهذين البلدين، وغيرهما من الدول الآسيوية التي تعتمد على واردات الوقود مثل: نيوزيلندا والفلبين وفيتنام، في أن الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز يُحدث بالفعل تغييرات في أسواق المنتجات تُنذر بأزمة وشيكة.

تقوم الدول الرئيسة المُصنّعة للوقود بتقليص عمليات التكرير أو تقييد الصادرات، ومن الأمثلة على ذلك قرار الصين بحظر فوري لصادرات الوقود المُكرّر اعتبارًا من 11 مارس، وفقًا لأربعة مصادر مُطّلعة على الأمر.

لا تُعدّ الصين مُورّدًا رئيسًا للوقود المُكرّر إلى آسيا، لكنها الدولة التي تمتلك أكبر مخزون من النفط الخام وأكبر طاقة تكرير، ما يعني قدرتها على زيادة إمداد السوق إذا ما فعلت ذلك. مع ذلك، قررت السلطات إعطاء الأولوية لأمن الطاقة المحلي وعدم استخدام مخزونها المُقدّر بنحو 1.2 مليار برميل من النفط الخام المُخزّن في مستودعاتها التجارية والاستراتيجية.

قد يكون هذا منظورًا مفهومًا، ولكنه تفكير قصير المدى يفترض أن الدول المُستوردة للوقود ستتمكن بطريقة ما من تلبية احتياجاتها في الأشهر المقبلة. تُخفّض مصافي التكرير الصينية إنتاجها، كما تفعل بعض المصافي الأخرى في دول مثل كوريا الجنوبية.

إذا تم تقليص عمليات التكرير وخفضت الدول المُصدّرة للوقود شحناتها لحماية أمنها الطاقي المحلي، فإن خطر نقص الوقود في الدول المُستوردة سيزداد بشكل كبير. ارتفعت أسعار المنتجات بشكل حاد، حيث بلغ سعر برميل الديزل السنغافوري، المكون الأساسي للديزل، 143.88 دولارًا أمريكيًا في 13 مارس، بزيادة قدرها 57% منذ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، بينما قفز سعر وقود الطائرات بنسبة 114% ليصل إلى 199.66 دولارًا أميركيًا.

حتى الآن، تُصرّ الحكومة الأسترالية على أن البلاد لديها إمدادات كافية من الوقود، ومن المتوقع أن تستمر الواردات بمستوياتها الطبيعية. مع ذلك، فقد خصصت الحكومة بعضًا من الديزل والبنزين من الاحتياطيات لتخفيف النقص بعد أن دفع الارتفاع الحاد في أسعار التجزئة المستهلكين إلى التهافت على ملء خزانات الوقود.

تكمن المشكلة في أن أستراليا لا تملك سوى ما يكفي من إمدادات الوقود لمدة 30 يومًا تقريبًا، مما يعني أن أي انقطاع مُطوّل في الواردات سيؤدي إلى أزمة بسرعة كبيرة. وأستراليا ليست بلا نفوذ، لكن السؤال هو ما إذا كانت الحكومة ستكون مستعدة لتهديد شركائها التجاريين بشكل فعّال لإجبارهم على مواصلة تصدير الوقود، وحتى إن كانت مستعدة، فهل ستفعل ذلك في الوقت المناسب؟

تُعدّ كوريا الجنوبية وسنغافورة والهند واليابان من أهم موردي الوقود لأستراليا، لكنها تستورد أيضًا من الصين وماليزيا وتايوان وبروناي. كما أن اليابان وكوريا الجنوبية والصين من كبار مستوردي خام الحديد والفحم والغاز الطبيعي المسال الأسترالي، بينما تستورد سنغافورة الغاز الطبيعي المسال، وتستورد الهند فحم الكوك، وهو عنصر حيوي لصناعة الصلب لديها نظرًا لنقص الإمدادات المحلية.

في حالة حدوث نقص، سيكون من البديهي أن توقف أستراليا استخراج خام الحديد والفحم وإنتاج الغاز الطبيعي المسال لترشيد استهلاك الديزل. يُستهلك ما يصل إلى 40 % من ديزل أستراليا في قطاع التعدين، وإذا ما حدث نقص، ستضطر الحكومة إلى إعطاء الأولوية للديزل في إنتاج وتوزيع الغذاء.

تستورد الصين نحو 75 % من خام الحديد المنقول بحراً من أستراليا، وفي حال توقف استقبال الشحنات، قد تتمكن من الحصول على المزيد من البرازيل، ثاني أكبر مورد لها، لكن من المرجح أن تستنفد مخزونها في غضون ثلاثة أشهر، ما سيضطرها إلى خفض إنتاج الصلب. وهذا بدوره سيضر بقطاعي التصنيع والبناء الرئيسين لديها.

وبينما تستطيع الصين الصمود بدون الفحم والغاز الطبيعي المسال الأسترالي والإندونيسي، يصعب تطبيق الحجة نفسها على اليابان وكوريا الجنوبية. ووفقًا لشركة كيبلر، زودت أستراليا وإندونيسيا اليابان بأكثر من 80 % من احتياجاتها من الفحم في مارس، كما كانتا مصدر نصف احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال.

وقد زودت هاتان الدولتان الغنيتان بالموارد كوريا الجنوبية بـ 38 % من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال في مارس، ونحو 60 % من احتياجاتها من الفحم. هذه مستويات من الواردات لا يمكن لتلك الدول تعويضها من موردين آخرين، ما يعني أن مصدري الوقود يعرضون أنفسهم لمخاطر جسيمة إذا ما فرضوا قيودًا على الشحنات وتسببوا في نقص لدى المستوردين.

والسؤال المطروح هو: هل الحكومات مستعدة للتحرك لضمان تعاون اقتصادات المنطقة وتقاسم تبعات حرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على إيران، أم أنها ستسمح للمصالح الذاتية الضيقة قصيرة الأجل بالسيطرة وتحويل الوضع السيئ إلى كارثة؟



إقرأ المزيد