جريدة الرياض - 4/20/2026 3:21:58 AM - GMT (+3 )
في الوقت الذي أقرّ فيه مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة استراتيجية الصندوق 2026 - 2030، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة -حفظه الله-، حيث سيركز الصندوق على بناء منظومات اقتصادية محلية بقدرة تنافسية عالية، بما يدعم التكامل بين القطاعات وتعظيم قيمة الأصول الاستراتيجية واستدامة العوائد، ومواصلة مسيرة التحوّل الاقتصادي في المملكة وتعزيز جودة حياة مواطنيها. وترى مستشارة التنمية الاقتصادية والحوكمة الإقليمية الدكتورة نوف بنت عبدالعزيز الغامدي، أن قراءة استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026 - 2030 لا ينبغي أن تقتصر على اعتبارها خطة استثمارية جديدة، بل يجب فهمها بوصفها إعادة تعريف لدور الصندوق داخل النموذج الاقتصادي السعودي، فالصندوق يدخل، وفق توصيفه الرسمي، مرحلة “تحقيق القيمة المستدامة” بعد مرحلة سابقة اتسمت بالنمو السريع وبناء الأصول والمنصات والمشروعات الكبرى. وهذه العبارة تحمل دلالة عميقة؛ إذ لم يعد النقاش يدور حول حجم الإنفاق أو اتساع المحفظة فحسب، بل حول جودة العائد، وعمق الأثر، وقدرة الأصول على إنتاج اقتصاد مستدام حولها. وقالت لـ "الرياض": "في المراحل الأولى من التحول، اضطلع الصندوق بدور “المستثمر المؤسس” الذي ملأ فجوات السوق، وأطلق شركات جديدة، وقاد مشروعات نوعية أسهمت في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد وخلق قطاعات لم تكن قائمة بهذا الحجم من قبل، أما اليوم، فالمؤشر الأهم يتمثل في انتقاله من منطق “بناء الأصول” إلى منطق “استخراج القيمة الاقتصادية منها”؛ أي من تمويل المشروع إلى بناء المنظومة التي تجعل هذا المشروع منتجًا، رابطًا للقطاع الخاص، مولدًا للوظائف، ومغذيًا لسلاسل القيمة المحلية، وهذه نقلة مؤسسية تعكس نضجًا واضحًا في إدارة رأس المال السيادي".
وعن أبرز ما يميز الاستراتيجية الجديدة قالت: "إنها لا تتعامل مع الاستثمارات بوصفها فرصًا منفصلة، بل ضمن هيكلة متكاملة عبر ثلاث محافظ: رؤيوية، واستراتيجية، ومالية، وهذه البنية تعكس سعي الصندوق إلى تحقيق توازن دقيق بين ثلاثة أدوار متداخلة وهي قيادة التحول الاقتصادي، وحماية الأصول ذات البعد الوطني، وتحقيق عوائد مالية طويلة الأجل. وبذلك لم يعد كل استثمار يؤدي وظيفة واحدة فقط، بل أصبح رأس المال موزعًا بين أدوار تنموية وسيادية واستثمارية في آن واحد، بما يعزز مرونة إدارة المخاطر وكفاءة تخصيص الموارد". وتابعت الغامدي: " وعند قراءة المنظومات الست التي تركز عليها الاستراتيجية - السياحة والسفر والترفيه، التطوير العمراني وجودة الحياة، التصنيع المتقدم والابتكار، الصناعة واللوجستيات، الطاقة النظيفة والمياه والبنية التحتية للطاقة المتجددة، ونيوم، يتضح أن الصندوق لم يعد يراهن على قطاع واحد يقود النمو، بل على منظومة اقتصادية مترابطة، وهذا يعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة الاقتصاد الحديث، الذي لا يقوم على قطاعات معزولة، بل على تكامل بين الصناعة والطاقة والتقنية والخدمات والبنية التحتية، بما يرفع مستوى التعقيد الاقتصادي ويعزز القدرة التنافسية".
وأضافت: "ومع ذلك، فإن قراءة أعمق تشير إلى أن التصنيع المتقدم والابتكار سيقودان المرحلة المقبلة، باعتبارهما المدخل الأساسي لرفع القيمة المضافة وبناء اقتصاد قائم على المعرفة. فالانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد ينتج المعرفة والتقنيات يتطلب قاعدة صناعية وتقنية متقدمة، تتيح للمملكة موقعًا أكثر تأثيرًا داخل سلاسل القيمة العالمية.
القاعدة التشغيلية
وفي السياق ذاته اعتبرت الغامدي الصناعة واللوجستيات تمثل القاعدة التشغيلية لهذا التحول، مستفيدة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة، وتكامل البنية التحتية، واتساع السوق المحلية، وفي ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد عالميًا، تبرز السعودية كمرشح قوي لتكون مركزًا إقليميًا للإنتاج وإعادة التصدير، بما يحول ميزتها الجغرافية إلى ميزة اقتصادية قابلة للقياس، أما الطاقة النظيفة والبنية التحتية المرتبطة بها، فهي تمثل امتدادًا استراتيجيًا لدور المملكة في أسواق الطاقة، لكن بصيغة أكثر تنوعًا واستدامة، فالدخول المبكر في هذا المسار لا يهدف فقط إلى مواكبة التحول العالمي، بل إلى إعادة تموضع المملكة كمحور رئيس في منظومة الطاقة المستقبلية، مؤكدة على أن السياحة والتطوير العمراني وجودة الحياة قطاعات محورية، لكنها تؤدي دورًا مختلفًا؛ إذ تمثل محركات تسريع للنمو، وجذب الاستثمارات، وخلق الوظائف، وتعزيز جاذبية الاقتصاد للمواهب ورؤوس الأموال. غير أن دورها، من منظور هيكلي، يكمن في دعم النمو وتسريعه، في حين تبقى الصناعة والتقنية والطاقة هي الأساس في بناء اقتصاد إنتاجي طويل الأجل.
ولفتت الغامدي إلى التحول الأهم في توجه الصندوق اتجاهه نحو تعميق الاستثمار المحلي، حيث ارتفعت أصوله تحت الإدارة من نحو 500 مليار ريال في عام 2015 إلى ما يتجاوز 3.4 تريليونات ريال في 2025، في واحدة من أسرع وتيرة نمو الأصول السيادية عالميًا. كما يستهدف الصندوق توجيه نحو 80 % من استثماراته إلى الداخل، وهو ما يعكس تحولًا من البحث عن العوائد الخارجية فقط، إلى تعظيم الأثر الاقتصادي داخل المملكة. مبينة أن هذا التوجه لا يمثل انكفاءً عن الأسواق العالمية، بل يعكس نضجًا في توجيه رأس المال نحو الفرص الأعلى تأثيرًا، ويعزز من ارتباط الصندوق بالدورة الاقتصادية المحلية، بما يولد أثرًا مضاعفًا على الاستثمار الخاص، وسوق العمل، والمحتوى المحلي. وفي المقابل، يفرض هذا التوجه مستوى أعلى من الانضباط والحوكمة لضمان كفاءة التخصيص واستدامة العوائد، وعلى صعيد المكانة العالمية، وترى الدكتورة الغامدي، أنه لم يعد تقييم الصندوق يعتمد على حجم أصوله التي تقترب من تريليون دولار فحسب، بل على طبيعة دوره المتغير، فالصندوق يتجه ليكون نموذجًا يجمع بين الصندوق السيادي التقليدي وأداة التنمية الاقتصادية، وهو ما يمنحه تأثيرًا يتجاوز الأسواق المالية إلى تشكيل سلاسل القيمة والقطاعات الاستراتيجية.
أما في مواجهة التحديات العالمية، مثل الركود أو ارتفاع أسعار الفائدة، فإن الاستراتيجية الجديدة تعزز من قدرة الصندوق على التكيف من خلال تنويع المحافظ، وزيادة التركيز على الاستثمارات المحلية، واعتماد نهج أكثر انتقائية في المشروعات الرأسمالية. وهذا يعكس انتقالًا من التوسع الكمي إلى إدارة أكثر كفاءة لرأس المال في بيئة عالمية أكثر تعقيدًا.
في المحصلة، تمثل استراتيجية 2026–2030 مرحلة ترسيخ ناضجة في مسار التحول الاقتصادي، تنتقل فيها المملكة من بناء المشروعات إلى بناء الاقتصاد حولها، ومن ضخ الاستثمارات إلى تعظيم أثرها، ومن السعي وراء العائد المالي فقط إلى تحقيق توازن أعمق بين العائد، والسيادة الاقتصادية، والاستدامة، وإذا نجح الصندوق في تحقيق هذه المعادلة، فإنه لن يكون مجرد أحد أكبر الصناديق السيادية عالميًا، بل أحد أكثرها تأثيرًا في إعادة تشكيل الاقتصاد.
إقرأ المزيد


