جريدة الراي - 4/22/2026 11:07:54 PM - GMT (+3 )
- قصة النمو خليجياً تشهد تحوّلاً من التوسع الطموح لتنمية مرنة
- دول التعاون مستمرة بتنويع اقتصاداتها واستثماراتها بالبنية التحتية والقطاعات المستقبلية
- المنطقة تظهر قدرتها على الصمود مدعومة بمراكز مالية قوية
- تحوّلات المنطقة تُعيد رسم ملامح الأسواق العالمية وسط وضع طبيعي قديم أكثر تعقيداً
عقدت شركة كامكو إنفست و«PGIM»، أحد أبرز مديري الاستثمارات العالميين، ندوة عبر الإنترنت بعنوان: «التطورات الجيوسياسية الإقليمية: الأثر الاقتصادي وآفاق الاستثمار».
وجمعت الندوة خبراء عالميين وإقليميين لمناقشة المشهد الجيوسياسي متسارع التطور في منطقة الشرق الأوسط، المتمثل في تصاعد وتداعيات الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وانعكاساته الواسعة على الاقتصادات العالمية والإقليمية وأسواق رأس المال وفئات الأصول الرئيسية.
وضمت الندوة نخبة من المتحدثين، بينهم نائب رئيس مجلس الإدارة ورئيس الاقتصاديين العالميين في «PGIM» داليب سينغ، والرئيس التنفيذي لـ «كامكو إنفست» فيصل صرخوه، ونائب الرئيس – الأسهم والدخل الثابت في «كامكو إنفست» سارة دشتي، وأدار النقاش مدير إدارة الاستشارات الاستثمارية في «كامكو إنفست» فيصل العثمان، حيث قاد حواراً معمّقاً في توقيت بالغ الأهمية حول تقاطع الجغرافيا السياسية وإستراتيجيات الاستثمار.
الاقتصاد العالمي
وسلّطت الندوة الضوء على التطورات الجيوسياسية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط والتي لا تُحدث اضطرابات قصيرة الأجل في الأسواق فحسب، بل تُسرّع أيضاً تحولات هيكلية أعمق في الاقتصاد العالمي. وأكد المشاركون أن البيئة الحالية تعكس انتقالاً نحو عالم أكثر تشرذماً، حيث باتت السياسات الاقتصادية وسلاسل الإمداد وتدفقات رؤوس الأموال تتأثر بشكل متزايد بالاعتبارات الجيوسياسية بدلاً من كفاءة الأسواق وحدها.
وأشار المتحدثون إلى أن التأثير الفوري للتوترات الإقليمية ظهر بشكل أوضح في أسواق الطاقة ومسارات التجارة العالمية، من خلال ارتفاع مستويات التقلب في أسعار النفط، واضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف السلع الأساسية الرئيسية.
وأوضحوا أن هذه الديناميكيات تسهم في زيادة الضغوط التضخمية وتعديل توقعات النمو العالمي نحو مستويات أكثر اعتدالاً، إلى جانب تعقيد آفاق سياسات البنوك المركزية وتأخير وتيرة التيسير النقدي، مع توقع خفض أسعار الفائدة مرتين خلال العام.
ورغم هذه التحديات، أكدت المناقشات متانة اقتصادات دول الخليج نسبياً، مدعومة بوجود هوامش مالية قوية، وجهود مستمرة لتنويع الاقتصاد، واستثمارات إستراتيجية في البنية التحتية والقطاعات المستقبلية. كما أصبحت المنطقة في موقع متقدم للاستفادة من الاتجاهات الهيكلية طويلة الأجل، بما في ذلك ديناميكيات تحول الطاقة، وتغيرات السياسات الصناعية، وتزايد الطلب العالمي على وجهات استثمارية مستقرة.
وأشارت المناقشات إلى أنه، رغم ارتفاع مستويات علاوات المخاطر الجيوسياسية، أظهرت أسواق الخليج قدراً ملحوظاً من المرونة، وإن كان ذلك بشكل متباين بين دولة وأخرى. فبدلاً من التحرك ككتلة واحدة، جاء أداء الأسواق مدفوعاً بعوامل محلية خاصة بكل دولة، حيث برزت السعودية كعامل استقرار رئيسي بفضل عمق أسواقها، وسيولتها، وقوة المشاركة المؤسسية.
استثمار انتقائي
أما الكويت، حافظت على طابع دفاعي أكثر مدعوم بتقييمات جاذبة وجودة الشركات المدرجة، في حين أظهرت الإمارات مستويات أعلى من التقلب إلى جانب فرص تعافٍ انتقائية. ويعزز هذا التباين أهمية الاستثمار الانتقائي، حيث أصبح توليد العوائد الإضافية يعتمد بشكل متزايد على توزيع الأصول بين الدول والقطاعات بدلاً من التعرض بشكل عام لأسواق المنطقة.
وأكد المشاركون أن هذه المرونة تستند إلى عوامل هيكلية، من بينها الدور المحوري لصناديق الثروة السيادية كمصدر طويل الأجل لرؤوس الأموال، والمراكز المالية القوية المدعومة بعوائد النفط، واستمرار تدفقات الاستثمارات المؤسسية إلى الأسواق الرئيسية.
وأكدوا في الوقت ذاته، تطورت العلاقة التقليدية بين أسعار النفط وأسواق الأسهم في دول الخليج، حيث باتت الأسواق تعكس بشكل متزايد إطاراً متعدد العوامل يعتمد على أساسيات مثل جودة الأرباح، واستدامة التوزيعات النقدية، ومتانة المراكز المالية للشركات. وفي هذا السياق، يُنصح المستثمرون بالتركيز على الشركات ذات الجودة العالية والتدفقات النقدية المستقرة، مع اعتماد نهج أكثر نشاطاً وانتقائية في بناء المحافظ الاستثمارية ضمن بيئة سوقية أكثر تعقيداً وتمايزاً. ولم تعد أسواق دول الخليج مجرد انعكاس لأسعار النفط، بل أصبحت أقرب إلى أسواق أسهم متعددة العوامل مدعومة ببنية مؤسسية قوية.
النمو الخليجي
وأشاروا إلى أن قصة النمو في دول الخليج تظل قائمة، إلا أنها تشهد تحوّلاً متزايداً من التوسع القائم على الطموح إلى تنمية قائمة على المرونة. ولاتزال الرؤى الوطنية ترسم التوجهات طويلة الأجل، إلا أن هناك تركيزاً أكبر على الاستقرار الاقتصادي، وأمن سلاسل الإمداد، ومتانة البنية التحتية. كما أصبح المستثمرون أكثر انتقائية، مع تمييزهم بين أسواق دول المجلس بناءً على قوة التنفيذ، والانضباط المالي، والمرونة المؤسسية، في حين تخضع المشاريع الكبرى لمزيد من التدقيق من حيث قيمتها الاستراتيجية وعوائدها.
وتوقع المشاركون إعادة ترتيب الأولويات حول القدرة على مواجهة الصدمات وتعزيز الاستقلالية الإستراتيجية، مع التركيز على الخدمات اللوجستية، وأمن الطاقة، وتنويع القاعدة الصناعية، والبنية التحتية الرقمية. ومن المتوقع أن تسهم ديناميكيات ما بعد النزاعات في تسريع إعادة تصميم البنية التحتية مع تركيز أكبر على التكرارية والترابط. وفي الوقت ذاته، يتطوّر التمويل نحو نموذج هجين، حيث تلعب الصناديق السيادية دوراً محورياً في دعم الاستثمارات إلى جانب تعمّق أسواق رأس المال وزيادة مشاركة القطاع الخاص، مما يعزّز نهجاً أكثر انضباطاً وانتقائية في النمو عبر المنطقة.
وفي النظرة المستقبلية، شدّد المشاركون على أهمية الاستثمار القائم على السيناريوهات، في ظل استمرار حساسية الأسواق تجاه التطورات الجيوسياسية، بما في ذلك احتمالات استمرار الهدنة أو تصاعد التوترات مجدداً. وفي هذه البيئة المتغيرة، يُنصح المستثمرون باعتماد نهج منضبط وطويل الأجل، مع التركيز على مرونة المحافظ الاستثمارية، والتنويع، وزيادة التعرض للأصول الحقيقية، في ظل تكيف الاقتصاد العالمي مع ما وُصف بعودة إلى «وضع طبيعي قديم» أكثر غموضاً لكنه غني بالفرص.
سيناريوهات مستقبلية في المنطقة
استعرضت المناقشات مجموعة سيناريوهات مستقبلية للمنطقة، يحمل كل منها انعكاسات مختلفة على الأسواق العالمية وإستراتيجيات المستثمرين. إذ يشير الأساسي إلى هدنة هشة وممتدة، بما يعني استمرار حالة التقلب في الأسواق مع بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة وتأجيل وتيرة التيسير النقدي. في المقابل، قد يؤدي سيناريو أكثر إيجابية يتضمن تسوية تفاوضية إلى تخفيف الضغوط التضخمية، وانخفاض أسعار الطاقة، وتحسّن شهية المخاطرة في الأسواق.
أما في حال تصاعد التوترات مجدداً أو اندلاع صراع إقليمي أكثر حدة، فمن المرجح أن يشهد العالم اضطرابات كبيرة في الإمدادات، وارتفاعاً حاداً في أسعار النفط، وتشديداً في الأوضاع المالية، وزيادة مخاطر الدخول في حالة ركود عالمي.
إقرأ المزيد


