جريدة الرياض - 5/13/2026 2:08:04 AM - GMT (+3 )
ارتفع مؤشر الدولار، أمس الثلاثاء، ليعكس خسائره السابقة مع تجدد الشكوك حول استمرارية وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مما أحيا الطلب على العملة، وقال عبد العزيز البغدادي مدير أبحاث السوق واستراتيجيات التكنولوجيا المالية لدى أف إكس إي ام، تدهورت الشهية على المخاطر بعد أن رفض الرئيس دونالد ترامب أحدث مقترح لطهران وحذر من أن وقف إطلاق النار في وضع هش، مما أثار مخاوف تصاعد التوترات مرة أخرى.
ودفعت حالة عدم اليقين الجيوسياسي المتجددة أسعار النفط نحو الارتفاع، مما عزز المخاوف بشأن الضغوط التضخمية المستمرة. ونتيجة لذلك، واصلت عوائد سندات الخزانة صعودها، حيث حامت عوائد السندات لأجل 10 سنوات بالقرب من قمتها الأخيرة. وفي الوقت نفسه، لا تزال الأسواق تتوقع أن يبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير، وهو ما قد يدعم الدولار.
وتتجه الأنظار الآن إلى تقرير التضخم الأميركي المرتقب؛ فمن المرجح أن تعزز أي قراءة قوية التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي سيحتاج إلى إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير لفترة ممتدة، وقد تغذي توجهات أكثر تشدداً، خاصة وأن ارتفاع أسعار الطاقة يهدد بالتأثير على توقعات التضخم الأوسع نطاقاً، وعلى العكس من ذلك، فإن أي بيانات أضعف من المتوقع قد تضغط على عوائد سندات الخزانة وتحد من مكاسب الدولار.
وحول تطورات الين، فقد شهد واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ بداية العام قرب مستوى 157.19، في ظل تداخل معقد بين السياسة النقدية الأمريكية، ومحاولات اليابان الدفاع عن عملتها، وتصاعد أهمية بيانات التضخم الأمريكية باعتبارها المحرك الأهم لاتجاهات الأسواق العالمية خلال المرحلة الحالية.
وقالت رانيا جول، كبير محللي الأسواق في إكس لس دوت كوم لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إن التحركات الأخيرة للدولار والين لا تعكس فقط توازنات العرض والطلب التقليدية، بل تعبر عن صراع مباشر بين قوة الدولار المدعوم بالعوائد الأمريكية المرتفعة، وبين رغبة السلطات اليابانية في منع الين من الانزلاق نحو مستويات قد تهدد الاستقرار المالي والاقتصادي في اليابان.
وفي الأسابيع الماضية، لوحظ أن السلطات اليابانية أصبحت أكثر وضوحًا وحزمًا في رسائلها تجاه سوق العملات، خصوصًا بعد تجاوز الدولار/الين مستويات 160، وهي المنطقة التي اعتبرتها طوكيو خطًا أحمر غير معلن. والتدخلات التي حدثت، سواء بشكل مباشر أو عبر التصريحات الرسمية، أظهرت أن اليابان مستعدة لاستخدام أدواتها النقدية والمالية لإبطاء ضعف الين، حتى وإن كانت تدرك أن تغيير الاتجاه طويل المدى يتطلب أكثر من مجرد تدخلات مؤقتة. إن نجاح اليابان حتى الآن كان تكتيكيًا أكثر منه استراتيجيًا، إذ تمكنت من إحداث صدمات سعرية سريعة وإجبار المضاربين على تقليص مراكزهم، لكنها لم تنجح بعد في تغيير الأساسيات التي تدعم قوة الدولار.
والسبب الرئيسي وراء ذلك يتمثل في الفجوة الكبيرة بين السياسة النقدية الأمريكية واليابانية. فمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لا يزال يحافظ على معدلات فائدة مرتفعة نسبيًا بسبب استمرار الضغوط التضخمية، في حين يواصل بنك اليابان تبني سياسة نقدية شديدة المرونة مقارنة ببقية البنوك المركزية الكبرى.
لكن ما يجعل المرحلة الحالية أكثر تعقيدًا هو اقتراب صدور بيانات التضخم الأمريكية، والتي قد تمثل نقطة تحول حاسمة ليس فقط للدولار/الين، بل للأسواق العالمية بأكملها. إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من التوقعات، فسيعتبر ذلك إشارة إلى أن الفيدرالي الأميركي قد يضطر للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وربما تأجيل أي خفض محتمل خلال هذا العام. وفي هذه الحالة، من المتوقع أن يعود الدولار لاستعادة زخمه الصاعد سريعًا، ما قد يدفع زوج الدولار/الين لإعادة اختبار مناطق 158 ثم 160 من جديد، وهو ما سيضع السلطات اليابانية أمام اختبار شديد الصعوبة.
أما إذا أظهرت بيانات التضخم تباطؤًا واضحًا، فقد نشهد تراجعًا ملحوظًا في عوائد السندات الأمريكية، وهو ما قد يمنح الين فرصة لالتقاط الأنفاس وتصحيح جزء من خسائره الأخيرة. ومع ذلك، أن أي هبوط للدولار/الين في هذا السيناريو قد يبقى محدودًا نسبيًا ما لم يصاحبه تحول فعلي في سياسة بنك اليابان أو إشارات أكثر وضوحًا نحو إنهاء الفجوة النقدية الحالية. فالسوق يدرك أن الاقتصاد الياباني لا يزال هشًا نسبيًا أمام تشديد نقدي قوي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الاستهلاك المحلي.
لذا أصبحت الأسواق أكثر حساسية تجاه مستويات التدخل الياباني، ولم يعد المستثمرون يتعاملون مع صعود الدولار/الين بنفس الثقة التي كانت موجودة قبل أشهر، وأي اقتراب من مستويات 160 قد يدفع المتداولين إلى جني الأرباح مبكرًا خشية تدخل جديد ومفاجئ من وزارة المالية اليابانية. وهذا بحد ذاته خلق نوعًا من "السقف النفسي" المؤقت الذي يحد من اندفاع المشترين، حتى وإن بقي الاتجاه العام صاعدًا على المدى المتوسط.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الدولار الأميركي يستفيد أيضًا من عوامل داعمة إضافية، أبرزها التوترات الجيوسياسية العالمية وارتفاع الطلب على الأصول الآمنة. فعندما تتزايد المخاطر السياسية أو الاقتصادية، يتجه المستثمرون عادة إلى الدولار باعتباره الملاذ الأكثر أمانًا وسيولة، وهو ما يمنحه قوة إضافية أمام معظم العملات الرئيسية، بما فيها الين الياباني. ومن وجهة نظري، فإن استمرار هذه التوترات سيجعل مهمة اليابان أكثر تعقيدًا، لأن مواجهة قوة الدولار العالمية تختلف تمامًا عن مواجهة المضاربات قصيرة الأجل فقط.
وفي النهاية، أن معركة الدولار/الين لم تعد مجرد حركة عملات تقليدية، بل أصبحت مواجهة بين قوتين اقتصاديتين تحاول كل منهما حماية مصالحها وسط بيئة عالمية مضطربة. والولايات المتحدة تسعى للسيطرة على التضخم دون الإضرار بالنمو، بينما تحاول اليابان حماية عملتها دون خنق اقتصادها الهش. وبين هذين المسارين، يبقى المستثمرون أمام سوق شديد الحساسية للأخبار والبيانات، حيث يمكن لأي مفاجأة في التضخم الأمريكي أو أي تدخل ياباني جديد أن يغير اتجاهات الأسعار خلال ساعات قليلة فقط.
إقرأ المزيد


