الاقتصاد الرقمي السعودي يعيد تشكيل السوق العقاري
الجزيرة -

لقد أصبح التحول الرقمي في السعودية، تحولاً اقتصادياً شاملاً يعيد رسم شكل الأسواق، ويؤسس لمرحلة جديدة من النمو والاستثمار وصناعة القيمة. وفي قلبه يصعد القطاع العقاري بوصفه أحد أكثر القطاعات تأثراً واستفادة من الثورة الرقمية التي تعيشها المملكة ضمن مستهدفات رؤية 2030؛ حيثُ بلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي الناتج المحلي الإجمالي 15.8 %، مدعومة بأكثر من 500 مبادرة حكومية دعمت الابتكار وريادة الأعمال والاستثمارات التقنية.

وهو ما يعني أن الاقتصاد السعودي لم يعد يعتمد فقط على الموارد التقليدية، بل بدأ ينتقل فعلياً إلى اقتصاد معرفي قائم على البيانات والتقنية والذكاء الاصطناعي، بل ولم تكتفِ بتطوير البنية الرقمية، بل عملت على بناء منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على إنتاج الحلول التقنية وتصديرها مستقبلاً.

فمثلاً هناك ارتفاع في سجلات تقنيات الذكاء الاصطناعي بنسبة 240 % خلال خمس سنوات وبلغ حجم سوق الاتصالات والتقنية في المملكة نحو 199 مليار ريال، ما يعكس حجم التحول في بيئة الأعمال، ويؤكد أن السعودية أصبحت سوقاً استثمارية جاذبة لتطوير التقنيات المتقدمة وليس فقط استهلاكها.

إن القطاع العقاري يواكب التحول، ولم يعد سوقاً تقليدياً يعتمد على الاجتهادات الفردية أو المعلومات المحدودة، بل أصبح يتحرك تدريجياً نحو بيئة قائمة على البيانات الضخمة والمنصات الذكية والحوكمة الرقمية، يعيشها اليوم ومع وجود أكثر من 75 منصة عقارية مرخصة، وتجاوز قيمة الصفقات العقارية عبر نظام الوساطة أكثر من 1.2 تريليون ريال في أقل من عامين، لنرى سوقاً عقاريًا يتغير هيكلياً، سواء في طريقة التسويق أو التقييم أو إدارة الأصول العقارية.

وبالتالي كان تمكين الشركات الناشئة بضخ البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات نحو 2.5 مليار ريال لدعم القطاع، مما أسهم في إنشاء 1050 شركة تقنية خلال السنوات الأخيرة.

إذا الريادة العالمية كان للمملكة فيها نصيب الأسد (المرتبة الثالثة) عالمياً في نمو وظائف الذكاء الاصطناعي، وضمن أفضل 7 دول في نشر نماذج الذكاء الاصطناعي. وهنا يبرز الدور المحوري للتقييم العقاري في المرحلة المقبلة. فكلما اتسعت السوق وازدادت سرعة التداول وتعقدت المنتجات العقارية، أصبحت الحاجة أكبر إلى تقييم عقاري احترافي يعتمد على التحليل المالي والبيانات الضخمة، وليس فقط على الأساليب التقليدية. كما انه من الخطأ الاعتقاد أن الذكاء الاصطناعي سيُلغي دور المقيم العقاري؛ بل الحقيقة أن التقنية ستعيد تعريف هذا الدور. فالمقيم العقاري في المستقبل لن يكون مجرد ناقل للأسعار أو معدٍّ للتقارير، بل سيكون محللاً استراتيجياً يفسر البيانات ويربطها بالمتغيرات الاقتصادية والتنظيمية والاستثمارية.

لقد أصبح الأمن السيبراني الدرع الحامي للمعاملات العقارية في عالمنا الرقمي اليوم ليس فقط استثمارًا ماليًا، بل هو أيضًا ضمان لحماية السجلات العقارية والبيانات الشخصية، إذ بلغت الاستثمارات إلى أكثر من 60 مليار ريال، بل وشهدت الشركات الناشئة نموًا هائلًا، تجاوز بنسبة 200 % عليه، وهذا يدل على أن السوق يتجه بقوة نحو تعزيز الحماية، وهذا بدوره يزيد من ثقة المستخدمين في أكثر من 75 منصة عقارية مرخصة اليوم، كما لعبت رقمنه العدالة دوراً بالغ الأهمية في تحسين البيئة العقارية والاستثمارية. فعندما تصبح الجلسات القضائية إلكترونية، وتتم التبليغات والتنفيذ رقمياً، وتنخفض مدة إصدار الوكالات إلى دقائق معدودة، فإن ذلك ينعكس مباشرة على سرعة إنجاز الصفقات وتقليل النزاعات ورفع كفاءة السوق.

هذه التحولات مجتمعة ساهمت في رفع مستوى الثقة في الأداء الحكومي إلى 87 %، وهي نسبة لا تعكس فقط رضا المستفيدين، بل تعكس أيضاً نضج البيئة التنظيمية والرقمية التي أصبحت أكثر قدرة على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة نمو عقاري تقليدي قائم فقط على ارتفاع الأسعار، بل ستكون مرحلة عقار ذكي يعتمد على جودة البيانات وكفاءة التشغيل وشفافية المعلومات وسرعة ومدى اتخاذ القرار؛ لتعزيز مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي، ورفع جاذبيته الاستثمارية، وتحويله إلى قطاع أكثر كفاءة واستدامة وارتباطاً بالاقتصاد الرقمي العالمي.

** **

- عمار الزغيبي

اقرأ أيضاً



إقرأ المزيد