الذهب يتراجع مع تلاشي حلول سريعة للسلام وتوقعات رفع «الفائدة»
جريدة الرياض -

تراجعت أسعار الذهب للجلسة الثانية على التوالي أمس الأربعاء، مع تلاشي التوقعات بحل سريع للنزاع الأميركي الإيراني، ما أبقى المخاوف من التضخم قائمة وألقى بظلال من الشك على توقعات أسعار الفائدة.

انخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 1.3 % إلى 4448.43 دولارًا للأونصة، كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم يونيو بنسبة 1.3% إلى 4446.20 دولارًا.

وقالت إيران يوم الثلاثاء إن الولايات المتحدة انتهكت وقف إطلاق النار بشنها غارات على أهداف قرب مضيق هرمز المتنازع عليه، ما قد يُعقّد الجهود المبذولة لإنهاء الحرب.

ومن شأن ذلك أن يُعقّد الجهود المبذولة لإنهاء الحرب. وقال لقمان أوتونوجا، كبير محللي الأبحاث في اف إكس أي إم: "انخفضت الأسعار، مقتربةً من مستوى الدعم عند 4450 دولارًا، مع تضاؤل ​​الآمال في التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران. ومما يزيد من متاعب الذهب، التوقعات المتزايدة باستمرار بأن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة وسط ضغوط الأسعار الناجمة عن الصراع".

وأضاف: "في نهاية المطاف، قد تعزز المزيد من المؤشرات على تزايد ضغوط الأسعار الرهانات على أن الاحتياطي الفيدرالي سيُبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما يُعرّض الذهب لمخاطر هبوط أكبر". وصرح رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، يوم الأربعاء، بأن البنك المركزي يجب أن يُركز على احتواء مخاطر التضخم التي يبدو أنها تتزايد، على الرغم من أنه "من السابق لأوانه" التنبؤ بموعد تغيير أسعار الفائدة القادم.

ويتوقع المستثمرون رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة هذا العام، مع احتمال بنسبة 37 % لرفعها بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر. وعلى الرغم من أن الذهب يُنظر إليه غالبًا كأداة للتحوط ضد التضخم، إلا أن ارتفاع أسعار الفائدة يميل إلى التأثير سلبًا على هذا المعدن الذي لا يُدرّ عائدًا.

وينتظر المستثمرون أيضًا تصريحات من صانعي السياسة الآخرين في الاحتياطي الفيدرالي، بمن فيهم نائب الرئيس فيليب جيفرسون والمحافظ ليزا كوك، لتقييم تأثير التضخم على موقف السياسة النقدية المستقبلية.

وقد تُقدّم بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة لشهر أبريل، والمقرر صدورها يوم الخميس، مزيدًا من المؤشرات حول السياسة النقدية.

وفي الوقت نفسه، ذكر بنك كوميرزبانك في مذكرة له: "إن أي خفض للتصعيد (في الصراع الأميركي الإيراني) له عمومًا تأثير إيجابي على سعر الذهب، ولهذا نتوقع أن يرتفع سعر الذهب مجددًا بحلول نهاية العام".

في أسواق المعادن النفيسة الأخرى، انخفض سعر الفضة الفورية بنسبة 3.3 % إلى 74.38 دولارًا للأونصة، وانخفض سعر البلاتين بنسبة 1.9 % إلى 1921.04 دولارًا، وانخفض سعر البلاديوم بنسبة 0.4 % إلى 1385.03 دولارًا.

وقال محللو السلع النفيسة لدى انفيستنق دوت كوم، انخفضت أسعار الذهب بشكل طفيف يوم الأربعاء، مع استمرار حالة عدم اليقين التي تُحيط بمحادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل توقعات بموجة تضخم مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، واحتمالية رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة.

وأفادت مصادر باستمرار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، على الرغم من تبادل إطلاق النار في وقت سابق من هذا الأسبوع. وأكدت الولايات المتحدة على استمرار وقف إطلاق النار الهش، في حين حذرت إيران من الرد في حال انتهاك الهدنة.

وصرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذا الأسبوع بأن الأمر سيستغرق "بضعة أيام" حتى تتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق. وأشارت تقارير إعلامية خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى أن الولايات المتحدة وإيران كانتا على وشك التوصل إلى اتفاق إطاري.

وتضمنت بنود الاتفاق تمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي قبالة الساحل الجنوبي لإيران يمر عبره خُمس نفط العالم. وقد أُغلق المضيق بشكل كبير منذ بدء الحرب في أواخر فبراير، مما أدى إلى تقليص إمدادات النفط وارتفاع أسعار الخام.

وتزايدت المخاوف من أن يؤدي هذا الارتفاع في أسعار النفط إلى موجة تضخم في دول العالم. وتزايدت التوقعات لاحقًا بأن البنوك المركزية - بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي - قد ترفع أسعار الفائدة لكبح جماح ضغوط الأسعار. وقد لا يبشر هذا بالخير للذهب، وهو أصل غير مدر للدخل ويميل إلى الأداء الضعيف في بيئات أسعار الفائدة المرتفعة.

وقال محللو بنك آي إن جي، في مذكرة: "لا تزال الأسعار تحت ضغط توقعات التضخم المرتفعة المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة، ما يقلل من احتمالية خفض أسعار الفائدة على المدى القريب. وبينما زادت الاشتباكات المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج العربي من حالة عدم اليقين، لا تزال الأسواق متفائلة بحذر بإمكانية التوصل إلى اتفاق"،

إلى جانب الذهب، ارتفعت أسعار الألومنيوم إلى أعلى مستوى لها في أربع سنوات في بورصة لندن للمعادن، نتيجةً لضيق الإمدادات الناجم جزئياً عن الصراع في الشرق الأوسط. وأشار محللو بنك آي إن جي، نقلاً عن موقع مايستيل، إلى أن السلطات الصينية تُكثّف أيضاً الرقابة على استهلاك الطاقة والانبعاثات، مما يدعم التوقعات بفرض قيود محتملة على إنتاج قطاع الألومنيوم.

وواصلت الفضة فرض حضورها اللافت في الأسواق العالمية، ليس فقط باعتبارها معدنًا نفيسًا يلجأ إليه المستثمرون في أوقات القلق، بل أيضًا كأصل مالي حساس يتفاعل بسرعة مع التحولات الجيوسياسية والنقدية والاقتصادية. وقالت رانيا جول، كبير محللي الأسواق في إكس اس دوت كوم لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفي ظل التداولات الأخيرة التي شهدت تراجعًا محدودًا لسعر الفضة بعد فشله في اختراق حاجز 79 دولارًا.

يبرز سؤال محوري يفرض نفسه على المشهد الاستثماري: هل لا تزال الفضة تحتفظ بزخم الصعود، أم أن السوق تقترب من مرحلة فقدان الزخم بعد موجة ارتفاعات قوية؟ والإجابة لا تزال تميل إلى الإيجابية الحذرة، إذ إن العوامل الأساسية التي دعمت الفضة خلال الفترة الماضية لم تتلاشَ بالكامل، لكنها أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

إن العامل الجيوسياسي لا يزال يحتل موقعًا متقدمًا في تحديد اتجاه الفضة على المدى القريب، خصوصًا مع التطورات المرتبطة بالعلاقات الأميركية الإيرانية واحتمالات التوصل إلى تفاهمات تقلص من مخاطر التصعيد في الشرق الأوسط. ورغم أن الأسواق استقبلت بإيجابية التقارير التي تحدثت عن قرب اتفاق يضمن تمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، فإن المشهد لا يبدو محسومًا بعد، في ظل استمرار الرسائل المتضاربة القادمة من واشنطن وطهران.

وأي تقدم سياسي مؤقت قد يدفع الأسواق إلى التقاط الأنفاس ويحدّ من وتيرة الصعود الحاد للمعادن الثمينة، لكنه لن يكون كافيًا لإحداث انعكاس هبوطي كبير، لأن المستثمرين يدركون أن المنطقة لا تزال تحمل في طياتها احتمالات مفاجآت جيوسياسية قادرة على إعادة إشعال الطلب على الملاذات الآمنة بسرعة.

لكن القراءة الأساسية للفضة لا يمكن أن تقتصر على الجانب السياسي وحده، فالمعادلة النقدية الأميركية تبقى العامل الأكثر تأثيرًا في رسم الاتجاه العام. وهنا تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، خاصة مع استمرار الجدل داخل الاحتياطي الفيدرالي بشأن مستقبل أسعار الفائدة. فبينما كانت الأسواق تراهن في فترات سابقة على مسار أكثر وضوحًا نحو التيسير النقدي، جاءت تصريحات بعض أعضاء الفيدرالي، ومن بينهم كريستوفر والر، لتشير إلى تراجع الحماسة تجاه خفض الفائدة السريع.

يمثل هذا التحول عنصر ضغط نفسي على الفضة، لأن استمرار الفائدة المرتفعة عادة ما يعزز جاذبية الدولار والأصول ذات العوائد، ما يقلل نسبيًا من بريق المعادن غير المدرة للدخل. ومع ذلك، لا أعتقد أن هذا العامل سيكون كافيًا وحده لكسر الاتجاه الصاعد، لأن الأسواق باتت أكثر اقتناعًا بأن دورة التشديد النقدي الأميركية اقتربت من نهايتها حتى وإن تأجلت خطوات الخفض.

وأحد أبرز أسباب صمود الفضة فوق مستوياتها الحالية يتمثل في تغير طبيعة الطلب العالمي عليها. فالفضة لم تعد مجرد ملاذ آمن أو أصل مضاربي، بل أصبحت أيضًا معدنًا صناعيًا استراتيجيًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة، خاصة صناعة الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية.

في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل حقيقة ان الاسعار بدأت تعطي إشارات متباينة. ففشل السعر في تجاوز مستوى 79 دولارًا يعكس وجود مقاومة قوية وحالة من الحذر لدى المستثمرين، لكن احتفاظ الفضة بتداولاتها أعلى منطقة 77 دولارًا يوحي بأن المشترين لا يزالون يملكون القدرة على الدفاع عن الاتجاه الصاعد. إن بقاء الأسعار ضمن هذا النطاق يعكس مرحلة تجميع وانتظار لمحفز جديد، سواء جاء من السياسة النقدية الأميركية أو من أي تطور جيوسياسي مفاجئ. لذلك أعتقد أن السوق لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، وأن الحديث عن نهاية موجة الصعود يبدو مبكرًا في هذه المرحلة.

مع ذلك، فإن النظرة الإيجابية لا تعني تجاهل المخاطر المحتملة. ففي حال نجحت الولايات المتحدة وإيران في الوصول إلى اتفاق أكثر استقرارًا يقلص بشكل فعلي من المخاطر الإقليمية، بالتزامن مع استمرار تشدد الفيدرالي الأميركي أو صدور بيانات اقتصادية قوية تدعم الدولار، فقد تواجه الفضة ضغوطًا تصحيحية أوسع. وهذا السيناريو قد يدفع الأسعار إلى إعادة اختبار مستويات دعم أدنى قبل استعادة الزخم، لكنه لن يغير الصورة العامة ما لم يحدث تحول جذري في التوقعات النقدية العالمية.

وفي المحصلة، لا تزال الفضة تحتفظ بزخم الصعود، ولكن بصورة أكثر حذرًا وانتقائية مقارنة بالأشهر الماضية، فالسوق لم تعد تتحرك بدافع الخوف وحده، بل أصبحت أسيرة توازن دقيق بين التفاؤل الجيوسياسي، وتوقعات الفائدة الأميركية، والطلب الصناعي المتزايد.



إقرأ المزيد