الاقتصاد السعودي يوسع قاعدة النمو بعيداً عن القطاعات التقليدية
جريدة الرياض -

يشهد الاقتصاد السعودي خلال عام 2026 مرحلة متقدمة من التحول الاقتصادي المتسارع، مدعوماً بنمو متوازن يشمل القطاعات الإنتاجية والخدمية والتقنية والمالية، في انعكاس واضح لنجاح برامج رؤية السعودية 2030 في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد الوطني. وتكشف بيانات مارس الأخيرة عن اقتصاد يتحرك بثقة نحو تنويع مصادر الدخل وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية، بالتزامن مع استمرار المشاريع الكبرى والتوسع الاستثماري وارتفاع وتيرة الإنفاق على البنية التحتية والخدمات الحديثة. كما تعكس الأرقام تحولاً مهماً في طبيعة النمو الاقتصادي، حيث لم يعد مقتصراً على ارتفاع الإيرادات التشغيلية فقط، بل امتد ليشمل تحسناً ملموساً في سوق العمل وارتفاع تعويضات المشتغلين في عدد واسع من الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يعزز القوة الشرائية ويدعم النشاط الاقتصادي الداخلي.

وتبرز البيانات نمواً قوياً في قطاعات النقل والتخزين والتعدين والمعلومات والاتصالات والخدمات المالية والترفيه، وهي قطاعات تمثل ركائز أساسية في الاقتصاد الجديد الذي تعمل المملكة على بنائه. وفي الوقت ذاته، تؤكد مؤشرات الأجور والتوظيف أن آثار النمو بدأت تنعكس بصورة مباشرة على دخل الأفراد ومستويات المعيشة، ما يعكس قدرة الاقتصاد السعودي على خلق توازن بين النمو الاقتصادي وتحسين جودة الحياة. وفي ظل التحديات العالمية المرتبطة بارتفاع تكاليف التمويل والتباطؤ الاقتصادي في بعض الأسواق الدولية، تبدو المؤشرات السعودية أكثر تماسكاً ومرونة، بما يعزز الثقة في قدرة الاقتصاد الوطني على مواصلة النمو وتحقيق الاستدامة.

ويظهر الاقتصاد السعودي في مارس 2026 استمراراً واضحاً في مسار النمو والتنوع الاقتصادي، وفق ما أظهرته بيانات الهيئة العامة للإحصاء الخاصة بالأرقام القياسية للإيرادات التشغيلية وتعويضات المشتغلين حسب التصنيف الوطني للأنشطة الاقتصادية. وتعكس هذه المؤشرات صورة اقتصاد يتحرك بوتيرة متوازنة بين التوسع في الأنشطة الإنتاجية والخدمية وبين تعزيز سوق العمل ورفع مستويات الدخل.

أحد أبرز ملامح البيانات يتمثل في النمو القوي للإيرادات التشغيلية في عدد من القطاعات الحيوية، حيث تصدّر قطاع النقل والتخزين القائمة بمعدل نمو سنوي بلغ 25.8 %، يليه التعدين واستغلال المحاجر بنسبة 25.5 %، ثم المعلومات والاتصالات بنسبة 18.5 %، وهو ما يعكس تسارع التحول الرقمي وتوسع الخدمات اللوجستية والأنشطة المرتبطة بسلاسل الإمداد.

كما سجلت الأنشطة المالية وأنشطة التأمين نمواً بنسبة 17.6 %، وهو مؤشر يعكس استمرار توسع القطاع المالي وزيادة الطلب على الخدمات المصرفية والتمويلية، في حين حققت أنشطة الفنون والترفيه والتسلية نمواً بلغ 16.9 %، ما يؤكد تنامي مساهمة الاقتصاد الترفيهي والسياحي ضمن مستهدفات رؤية 2030.

وفي جانب الخدمات، ارتفعت الخدمات الإدارية وخدمات الدعم بنسبة 14.6 %، كما سجلت أنشطة الخدمات الأخرى نمواً عند 12 %، بينما حققت أنشطة خدمات الإقامة والطعام نمواً بلغ 7.6 %، في دلالة واضحة على استمرار تعافي الأنشطة المرتبطة بالسياحة والضيافة وارتفاع الإنفاق الاستهلاكي المحلي.

أما على مستوى القطاعات الإنتاجية، فقد حققت الصناعة التحويلية نمواً بنسبة 4 %، والتشييد 4.8 %، وإمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء 3.8 %، وهي مؤشرات تعكس استمرار النشاط الاقتصادي رغم التحديات العالمية المتعلقة بتكاليف التمويل وسلاسل الإمداد.

وفي المقابل، أظهرت البيانات تراجع الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية بنسبة 0.8 %، وهو القطاع الوحيد الذي سجل انكماشاً، ما قد يرتبط بإعادة هيكلة بعض المشاريع أو تغير أنماط الإنفاق التشغيلي لدى الشركات.

وعلى صعيد سوق العمل، جاءت بيانات الرقم القياسي لتعويضات المشتغلين لتعكس زخماً أكبر من الإيرادات التشغيلية في بعض الأنشطة، حيث سجلت أنشطة خدمات الإقامة والطعام أعلى معدل نمو في التعويضات بنسبة 18.4 %، تلتها أنشطة الخدمات الأخرى بنسبة 16.9 %، ثم الأنشطة المالية وأنشطة التأمين والنقل والتخزين والمعلومات والاتصالات بنسب تجاوزت 14 %.

وتعكس هذه الأرقام تحسناً واضحاً في مستويات الأجور والتوظيف في القطاعات الخدمية والمالية واللوجستية، كما تؤكد أن النمو الاقتصادي لم يعد مقتصراً على ارتفاع الإيرادات فقط، بل بدأ ينعكس بصورة مباشرة على سوق العمل والدخل الفردي، وهو ما يدعم القوة الشرائية ويعزز النشاط الاقتصادي الداخلي.

كما يبرز نمو تعويضات المشتغلين في قطاعات مثل الفنون والترفيه والتعليم والصناعة التحويلية، ما يشير إلى اتساع دائرة النمو لتشمل قطاعات متنوعة، وهو ما يعزز مفهوم النمو الشامل الذي تستهدفه السياسات الاقتصادية السعودية.

ومن اللافت أن القطاعات المرتبطة بالخدمات والتقنية والترفيه سجلت معدلات نمو أعلى من بعض القطاعات التقليدية، وهو تحول يعكس نجاح السياسات الاقتصادية في تنويع مصادر النمو وتقليل الاعتماد على القطاعات الريعية التقليدية فقط.

حسين بن حمد الرقيب


إقرأ المزيد