جريدة الرياض - 6/24/2026 1:33:02 AM - GMT (+3 )
تعد الثروة الحيوانية في المملكة العربية السعودية ركيزة استراتيجية للأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، غير أن ثمة ثروة منسية تُهدر سنوياً وتُلقى في الصحراء أو تتراكم في حظائر التجميع دون أدنى قيمة مضافة، وهي أصواف الأغنام وأوبار الإبل. إذ تشير التقديرات الاقتصادية والميدانية إلى أن المملكة تمتلك ملايين الرؤوس من الأغنام التي يتم جز صوفها بشكل دوري، إلى جانب أعداد ضخمة من الإبل التي توفر كميات وافرة من الوبر الفاخر الذي يصنع منه أجود أنواع العباءات الرجالية، ومع ذلك تظل معظم هذه الكميات في عداد المهدر؛ حيث تُشير التقديرات إلى أن آلاف الأطنان من الصوف والوبر يتم التخلص منها سنوياً نتيجة غياب منظومة صناعية متكاملة تتعامل مع هذه المادة الخام وتحولها إلى منتجات ذات جدوى اقتصادية، مما يمثل خسارة فادحة لموارد طبيعية متجددة كان يمكن أن ترفد الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، تبرز مدينة حفر الباطن كمركز تقليدي لتجميع هذه المواد، إلا أن الواقع يشير إلى أن ما يتم تجميعه وكبسه وتصديره لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جداً من إجمالي الإنتاج الوطني السنوي، أما النسبة الأكبر والمقدرة بآلاف الأطنان فتجد طريقها للأسف إلى العراء في الصحراء أو مناطق التخلص من النفايات، حيث تُترك لتتحلل بيئياً دون أي استغلال، مما يفاقم من تحديات الهدر الاقتصادي.
وبالنسبة لما يتم كبسه في مراكز حفر الباطن، فإنه يُصدر عادةً كمادة خام إلى دول مثل الأردن وسوريا، وتركيا وغيرها من الدول، لتكتمل المفارقة بعودتها إلينا مجدداً على هيئة "فلجان" جاهزة لبيوت الشعر وصناعات أخرى، بالإضافة إلى التصدير للأسواق العالمية في أوروبا والصين والهند وباكستان، ليتم استيراد هذه الخامات لاحقاً بعد تحويلها إلى منسوجات وسجاد وأقمشة بأسعار مضاعفة، مما يمثل نزيفاً اقتصادياً غير مبرر يقع ضحيته الاقتصاد المحلي.
إن هذه الثروة الملقاة في الصحراء يمكن أن تتحول إلى ركيزة لصناعات تحويلية ضخمة تتماشى تماماً مع مستهدفات رؤية المملكة في تعزيز المحتوى المحلي، وتنويع القاعدة الاقتصادية، وتوطين الصناعات. حيث الحاجة باتت ملحة اليوم لإطلاق مبادرات وطنية وشراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص لإنشاء مجمعات صناعية متكاملة تبدأ بمراكز الغسيل والتنقية والتصنيف، وتمر بمراحل التمشيط والغزل، وصولاً إلى خطوط النسيج النهائية التي تعتمد على المواد الخام المحلية، إن تحويل هذه الكميات المهدرة إلى خيوط وأقمشة ومنسوجات ليس مجرد عمل اقتصادي مربح للمستثمرين، بل هو ضرورة بيئية ووطنية للحد من الهدر، واستثمار موارد البلاد بأفضل صورة ممكنة.
كما إن الفرص الاستثمارية متاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى بفضل توفر دراسات الجدوى الاقتصادية التي أعدتها شركات استشارية متخصصة، والطلب المتزايد عالمياً على المنتجات الطبيعية المستدامة، إن هذه الدعوة ليست مجرد تنبيه لفرصة ضائعة، بل هي نداء صريح للقطاع الخاص ورجال الأعمال للنظر بعين الفاحص إلى تلك الأكوام الملقاة في برارينا، وتحويلها إلى قيمة صناعية مضافة ترفع شعار "صنع في السعودية" وتضع حداً لهذا الهدر السنوي الكبير الذي يتجاهله الكثيرون، بينما يحمل في طياته آفاقاً واعدة لنمو قطاع النسيج الوطني، وخلق فرص وظيفية نوعية للشباب والشابات في مختلف مناطق المملكة، مما يضمن تحويل هذه الثروة الحيوانية من عبء بيئي إلى محرك تنموي مستدام يخدم الوطن ويعزز من قوته التنافسية في الأسواق العالمية، ويحول تلك المهملات التي تملأ الصحراء إلى بضائع فاخرة تحمل بصمة الصناعة السعودية.
إقرأ المزيد


