العمرة في عهد الرؤية.. توسع تاريخي نحو استقبال 30 مليون معتمر
جريدة الرياض -

تشهد المملكة العربية السعودية تحولاً غير مسبوق في قطاع الحج والعمرة، حيث لم يعد تطوير الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن مجرد مشروع تشغيلي، بل أصبح أحد أهم محركات التنمية الوطنية المرتبطة مباشرة بمستهدفات رؤية المملكة 2030 ويظهر هذا التحول بوضوح من خلال النمو المتسارع في أعداد المعتمرين، والتوسع الكبير في مشاريع البنية التحتية، والاستثمارات الضخمة التي تهدف إلى رفع الطاقة الاستيعابية وتحسين تجربة الزائر من لحظة وصوله وحتى مغادرته، وتكشف الأرقام عن نمو لافت في أعداد المعتمرين خلال السنوات الثلاث الماضية، إذ ارتفع عدد المعتمرين من الخارج من 13.6 مليون معتمر في عام 2023 إلى 16.8 مليون معتمر في عام 2024 ثم إلى 17.8 مليون معتمر في عام 2025 كما ارتفع عدد المعتمرين من الداخل من 13.3 مليون معتمر إلى 19.1 مليون ثم إلى 20.7 مليون معتمر خلال الفترة نفسها.

وبذلك بلغ إجمالي عدد المعتمرين في عام 2025 نحو 38.5 مليون معتمر، وهو رقم يعكس نجاح الجهود الحكومية في تطوير المنظومة التشغيلية والخدمية، ويؤكد أن المملكة تسير بخطى متسارعة نحو تحقيق مستهدف رؤية 2030 باستقبال 30 مليون معتمر من الخارج سنوياً، لكن الوصول إلى هذا الرقم الطموح لا يعتمد فقط على تسهيل إجراءات التأشيرات أو تحسين الخدمات الرقمية، بل يتطلب منظومة متكاملة من البنية التحتية القادرة على استيعاب عشرات الملايين من الزوار سنوياً، ولهذا السبب بدأت المملكة منذ سنوات في تنفيذ مشاريع استراتيجية عملاقة في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، ويعد مشروع مسار مكة أحد أبرز هذه المشاريع، حيث يمثل تحولاً حضرياً كبيراً يربط مداخل مكة المكرمة بالمسجد الحرام عبر شبكة حديثة من الطرق والمرافق والخدمات والفنادق والمراكز التجارية، بما يسهم في تحسين تجربة التنقل ورفع الطاقة الاستيعابية للمدينة المقدسة، كما يأتي مشروع بوابة الملك سلمان ضمن المشاريع النوعية التي تستهدف تطوير مداخل مكة المكرمة واستقبال الأعداد المتزايدة من الزوار وفق أعلى المعايير العالمية.

وفي إطار إعادة تشكيل البيئة العمرانية للعاصمة المقدسة، تعمل الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة على تنفيذ برنامج الأحياء المطورة، الذي يستهدف معالجة الأحياء غير المنظمة وتحويلها إلى أحياء نموذجية متكاملة، ويرتكز البرنامج على تطوير البنية التحتية، وتحسين المشهد البصري، وتعزيز الهوية العمرانية لمكة المكرمة، ورفع جودة الحياة للسكان والزوار، وتشمل مستهدفات البرنامج معالجة تحديات تاريخية مثل ضيق الطرق وارتفاع الكثافة السكانية ونقص الخدمات الأساسية والمرافق العامة، وصولاً إلى إنشاء أحياء حديثة تتوافر فيها البنية التحتية المستدامة والخدمات الأمنية والصحية والتعليمية والمساحات الخضراء، كما يعتمد البرنامج على شراكة واسعة مع القطاع الخاص من خلال نماذج استثمارية تتيح إعادة تطوير الأحياء أو الارتقاء بها أو تحسين خدماتها البيئية، بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة ورفع كفاءة استخدام الأراضي داخل مكة المكرمة.

الاستثمار في المعرفة والابتكار

وفي الوقت نفسه، لا يقتصر التطوير على المشروعات العمرانية فقط، بل يشمل أيضاً الاستثمار في المعرفة والابتكار، فقد أصبحت الجامعات السعودية شريكاً أساسياً في تطوير منظومة الحج والعمرة، وفي هذا السياق برزت منظومة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة في جامعة الملك عبدالعزيز التي تضم عشرات المشاريع البحثية والتقنية الهادفة إلى تحسين تجربة ضيوف الرحمن، وتوزعت هذه المشاريع على ثلاثة مسارات رئيسة تشمل صحة وسلامة ضيوف الرحمن، وإثراء وتحسين رحلة الحاج والمعتمر، وتطوير البنية التحتية للمشاعر المقدسة، ومن أبرز المشاريع مشروع "رقيب" الصحي، واستخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق لتقدير كثافة الحشود ومعدلات الاختلاط، ومشروعات مكافحة الآفات البيئية، بالإضافة إلى حلول رقمية لتلبية الاحتياجات الغذائية للحجاج والمعتمرين.

كما شهد مسار تحسين رحلة الحاج والمعتمر مشاريع مبتكرة مثل الحقائب الذكية، ومنصة "سيروا"، ومشاريع التعقيم الذكي للحرمين الشريفين، وأنظمة مراقبة النظافة باستخدام الذكاء الاصطناعي. أما في جانب البنية التحتية فقد برزت مشاريع متخصصة في إدارة الطاقة، وتحليل حركة الحشود، والكشف عن الجزر الحرارية وتحسين شبكات المشاة داخل المشاعر المقدسة.

وفي المدينة المنورة تتجسد الرؤية بشكل واضح من خلال سلسلة من المشاريع الاستثمارية الكبرى التي تتجاوز مساحاتها مليوني متر مربع، وتشمل هذه المشاريع استثمارات سياحية وفندقية وثقافية ولوجستية تسهم في رفع جودة الخدمات المقدمة للزوار وتعزيز القدرة الاستيعابية للمدينة.

ومن أبرز هذه المشاريع مشروع "إمداد" اللوجستي الذي تطوره شركة المقر للتطوير والتنمية على مساحة مليون متر مربع، بهدف دعم الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد. كما تنفذ الشركة مشاريع أخرى مثل "ميادين" الثقافي والسياحي ومشروع "تطوير السيح" الذي يربط المواقع التاريخية والمعالم الإسلامية بمرافق الضيافة والتجارة والترفيه.

وتبرز كذلك مشاريع "رؤى المدينة" التي تمثل أحد أكبر مشاريع الضيافة في المنطقة، حيث تضم آلاف الوحدات الفندقية بالتعاون مع علامات عالمية، وتستهدف رفع الطاقة الاستيعابية للمدينة المنورة وتوفير آلاف الوظائف وتحسين تجربة الزوار بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

كما يكتسب هذا التحول بعداً استثمارياً جديداً مع التوجه نحو فتح المجال أمام تملك واستثمار الأجانب في العقارات بمكة المكرمة والمدينة المنورة وفق الأطر التنظيمية المعتمدة، ومن المتوقع أن يسهم ذلك في جذب رؤوس أموال محلية وعالمية إضافية إلى قطاعات الضيافة والإسكان والتطوير العمراني، ودعم تنفيذ المشاريع الكبرى المرتبطة بخدمة ضيوف الرحمن، ورفع جودة المنتجات العقارية والفندقية، وتسريع وتيرة التنمية في المدينتين المقدستين.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد زيادة في أعداد المعتمرين، بل تحول استراتيجي شامل يعيد رسم مستقبل مكة المكرمة والمدينة المنورة اقتصادياً وعمرانياً وخدمياً، فكل مشروع يتم تدشينه، وكل خدمة يتم تطويرها، وكل تقنية يتم توظيفها، تمثل لبنة جديدة في بناء منظومة متكاملة قادرة على استقبال عشرات الملايين من المسلمين من مختلف أنحاء العالم.

ومع استمرار تنفيذ المشاريع العملاقة وتكامل الجهود الحكومية والخاصة والأكاديمية، تبدو المملكة أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق مستهدف استقبال 30 مليون معتمر من الخارج بحلول عام 2030 وعندها لن يكون الإنجاز مجرد رقم جديد يضاف إلى سجل الرؤية، بل نموذج عالمي في إدارة الحشود وتطوير المدن المقدسة واستثمار التقنية والابتكار وتوظيف الاستثمارات لخدمة ضيوف الرحمن بأعلى مستويات الكفاءة والجودة.



إقرأ المزيد