الجزيرة - 6/28/2026 3:37:02 AM - GMT (+3 )
في مشهد لافت على صعيد السياسة النقدية العالمية، شهد العالم في مايو 2026 تغييراً في حراسة أكبر مؤسسة مالية في العالم، حيث انتهت ولاية جيروم باول كرئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، ليحل محله كيفن وارش، المرشح الذي اختاره الرئيس دونالد ترامب لهذا المنصب الحساس. غير أن هذا التحول في القيادة لا يمكن فهمه بمعزل عن الإرث الاستثنائي الذي تركه باول، والذي مثَّل خلاله درعاً حصيناً للاستقلالية النقدية في وجه عواصف سياسية وصحية وحربية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. لقد كان التحدي الأكثر خطورة الذي واجهه باول هو الهجوم غير المسبوق على استقلالية البنك المركزي من داخل البيت الأبيض نفسه، إذ لم يكتف الرئيس ترامب بوصف باول بـ«المتخلف عقلياً» و«الخاسر الأكبر» بسبب رفضه خفض أسعار الفائدة بالوتيرة التي يريدها الرئيس، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بإطلاق تحقيق جنائي غير مسبوق ضده بتهمة الكذب بشأن تكاليف تجديد مبنى الاحتياطي الفيدرالي. وقد كشف باول أن هذا التحقيق لم يكن سوى «عواقب لتحديد سعر الفائدة بناءً على تقييمنا الأفضل لما يخدم العامة، بدلاً من اتباع تفضيلات الرئيس»، هذا المشهد الذي وصفه خبراء الاقتصاد بأنه «طريقة صنع السياسة النقدية في الأسواق الناشئة ذات المؤسسات الضعيفة»، دفع ثلاثة رؤساء سابقين للاحتياطي الفيدرالي -جانيت يلين، بن برنانكي، وآلان غرينسبان- إلى إصدار بيان مشترك نادر يدينون فيه ما وصفوه بـ«محاولة تقويض استقلالية البنك المركزي»، محذرين من أن فقدان الثقة في البنك المركزي سيجعل من المستحيل دعم اقتصاد قوي ومستقر. ولم تقتصر التحديات على الجبهة السياسية، بل واجه باول أزمات وجودية هزت أسس الاقتصاد العالمي، ففي كلمته أمام غرفة تجارة بروفيدنس عام 2025، استذكر كيف أن جائحة كوفيد-19 جاءت «في أعقاب التعافي البطيء المؤلم الذي استمر عقداً من الزمن من الأزمة المالية العالمية، تاركة ندوباً ستبقى معنا لوقت طويل»، وقد كان رد فعله حاسماً حين نظر إلى احتمال حدوث كساد عظيم آخر، فقام باتخاذ إجراءات غير مسبوقة لضخ السيولة في الأسواق وإنقاذ الاقتصاد من الانهيار. متجاوزاً كل البروتوكولات التقليدية ليضع يديه على نبض الأسواق في لحظاتها الأكثر احتضاراً. ثم جاء التحدي الأحدث والأكثر تعقيداً تمثّل في الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، مما تسبب بصدمة طاقية هائلة رفعت التضخم من 2.4 % إلى 3.8 % بين فبراير وأبريل026، وهنا تجلَّت حنكة باول الدبلوماسية بأبهى صورها، إذ تعامل مع هذه الأزمة بالحكمة نفسها التي ميزت مسيرته، معتبراً أن صدمات الطاقة تميل إلى المجيء والذهاب بسرعة، وأن السياسة النقدية تعمل على المدى الطويل، والميل هو النظر إلى أي نوع من صدمات العرض، ولكن يجب مراقبة توقعات التضخم بعناية.
وخلال اجتماع أبريل 2026، اتخذ قراراً شجاعاً بإبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، في تحدٍ للضغوط السياسية الهائلة التي كانت تطالب برفعها كاستجابة سريعة للتضخم الحربي، ليكون هذا القرار الفصل الأخير في ولايته المضطربة، لكنه كان بمثابة التتويج الحقيقي لمسيرة قائد لم يتنازل عن مبادئه حتى في أصعب اللحظات.
واليوم عندما يتسلم كيفن وارش زمام القيادة، فإنه يرث مؤسسة تعرضت لأقسى اختباراتها، لكنها خرجت أقوى بفضل حنكة باول الدبلوماسية التي أثبتت أن الحفاظ على استقلالية البنك المركزي ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة حتمية لاستقرار الدولار والنظام المالي العالمي. كما أظهرت أن القيادة الحكيمة تعني القدرة على الفصل بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي، والتمسك بالبيانات والحقائق حتى في وجه أعتى الضغوط.
وها هو وارش يواجه الآن تحديات مشابهة، إذ يعتبر من الصقور التاريخيين في السياسة النقدية، مما يضعه على مسار تصادمي محتمل مع الرئيس ترامب الذي عينه، خاصة مع استمرار ارتفاع التضخم بسبب الحرب، لكن الإرث الذي تركه باول -المتمثّل في مؤسسة مستقلة قادرة على قول «لا» للسلطة السياسية، وسابقة واضحة في كيفية التعامل مع الأزمات الصحية والعسكرية دون التضحية بالاستقرار طويل المدى- سيكون خير معين لوارش في اجتياز هذه العواصف.
إن باول لم يبنِ سدوداً تحمي الاقتصاد من الفيضانات فحسب، بل رسم خريطة طريق واضحة لكيفية عبور العاصفة مع الحفاظ على البوصلة ثابتة نحو الشمال الاقتصادي، وإن كان الطريق أمام وارش محفوفاً بالمزالق ذاتها التي واجهها سلفه، فإن النافذة التي فتحها باول في جدار الضغوط السياسية ستبقى مفتوحة لمن يمتلك الشجاعة ليتجاوز منها. وفي النهاية تبقى العبرة الأهم من تركة باول هي أن القيادة النقدية الحقيقية لا تقاس بعدد القرارات المتخذة، بل بقوة الإرادة على تحمل تبعاتها، وهذا الدرس سيظل نبراساً لكل من يعتلي منصة الاحتياطي الفيدرالي في العقود القادمة.
** **
- أكاديمي وكاتب
إقرأ المزيد


