جريدة الرياض - 7/19/2026 3:00:54 AM - GMT (+3 )
لسنوات طويلة ظل قطاع الثروة السمكية يُنظر إليه باعتباره نشاطًا تقليديًا مرتبطًا بالقوارب والموانئ والأسواق الشعبية، لا صناعة قادرة على إعادة رسم جزء من خريطة الأمن الغذائي في المملكة. لكن أرقام عام 2025 تقلب هذه الصورة بالكامل، فإنتاج يقترب من 290 ألف طن، ونمو يتجاوز 17 % خلال عام واحد، واستزراع سمكي بات يضخ قرابة ثلثي الإنتاج، كلها مؤشرات تقول بوضوح إننا لم نعد أمام قطاع صغير يتحسن بهدوء، بل أمام صناعة تتوسع بسرعة وتكشف عن فرص استثمارية وغذائية وتصديرية أكبر بكثير مما تبدو عليه. بلغ إجمالي إنتاج الثروة السمكية في المملكة خلال عام 2025 نحو 289.9 ألف طن، مقابل 246.9 ألف طن في عام 2024، بنمو يقارب 17.4 %. هذه الزيادة تحققت عبر مسارين رئيسيين، الأول هو الاستزراع السمكي الذي بلغ إنتاجه 192.4 ألف طن، والثاني المصيد من المصائد البحرية الذي وصل إلى 97.6 ألف طن. واللافت هنا أن نمو القطاع لم يعد يعتمد فقط على ما تمنحه البحار، بل أصبح يرتكز بصورة أكبر على مشاريع إنتاجية منظمة يمكن التوسع فيها، والتحكم في مخرجاتها، ورفع كفاءتها التشغيلية.
الاستزراع السمكي يقود المشهد
ارتفع إنتاج الاستزراع السمكي من 161.6 ألف طن في 2024 إلى 192.4 ألف طن في 2025، بنمو يتجاوز 19 %، وهو ما يعني أن ما يقارب ثلثي إنتاج الثروة السمكية في المملكة يأتي اليوم من المشاريع، لا من الصيد التقليدي. وهذه النسبة تعكس تحولًا اقتصاديًا مهمًا، لأن الاستزراع السمكي أقرب إلى الصناعة منه إلى نشاط الصيد المعروف؛ فهو يحتاج إلى رأسمال، وأعلاف، وتقنيات، وإدارة تشغيلية، ومراقبة صحية، وسلاسل تبريد ونقل وتسويق. لذلك، فإن نمو هذا النشاط لا يرفع إنتاج الأسماك فقط، بل يفتح حوله سلسلة واسعة من الفرص الاستثمارية والخدمات المساندة، تبدأ من المفاقس والأعلاف، وتمتد إلى التصنيع والتعبئة والتوزيع.
المياه المالحة تتصدر.. والداخلية توسع الخريطة
استحوذت مشاريع المياه المالحة على الحصة الأكبر من إنتاج الاستزراع السمكي خلال عام 2025، بإنتاج بلغ 114.6 ألف طن، بما يعادل نحو 59.6 % من الإجمالي. في المقابل، بلغ إنتاج مشاريع المياه الداخلية 77.8 ألف طن، بنسبة تقارب 40.4 %، هذا التنوع يمنح القطاع مرونة جيدة، ويقلل من الاعتماد على نوع واحد من المشاريع، كما يوسع خريطة الإنتاج لتشمل مناطق داخلية لم تكن جزءًا تقليديًا من النشاط السمكي.فالثروة السمكية لم تعد مرتبطة بالساحل وحده، بل أصبحت صناعة يمكن أن تنمو في مناطق متعددة متى ما توفرت التقنية والكفاءة التشغيلية.
الروبيان والبلطي في الصدارة
تصدر الروبيان إنتاج مشاريع الاستزراع السمكي بكمية بلغت 86.8 ألف طن، يليه سمك البلطي بكمية 71.2 ألف طن، ثم القاروص بنحو 18.8 ألف طن، والدنيس بنحو 7.6 آلاف طن. هذا التركز مفهوم من الناحية الاقتصادية؛ فالروبيان يتمتع بقيمة سوقية مرتفعة وفرص تصديرية جيدة، بينما يحظى البلطي بطلب محلي واسع ويمكن إنتاجه بكفاءة في مشاريع المياه الداخلية. لكن استمرار النمو يحتاج إلى تنويع الأنواع والمنتجات والأسواق، حتى لا يصبح القطاع معتمدًا على عدد محدود من المنتجات أو معرضًا لتقلبات الطلب والأسعار.
التحدي الحقيقي.. القيمة المضافة
السؤال الأهم ليس كم تنتج المملكة من الأسماك؟ بل كم قيمة اقتصادية تستخرجها من هذا الإنتاج؟ زيادة الكميات خطوة مهمة، لكنها لا تكفي إذا لم تتوسع معها أنشطة التصنيع، والتجميد، والتعبئة، والنقل المبرد، والتسويق، والتصدير. فالطن الذي يباع كمنتج أولي يحقق عائدًا مباشرًا، لكن الطن الذي يدخل في عمليات التصنيع والتجهيز والتعبئة يصنع سلسلة أطول من الدخل والوظائف. ومن هنا، فإن نجاح القطاع خلال المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بارتفاع الإنتاج، بل بقدرته على بناء صناعة متكاملة حول هذا الإنتاج.
المصائد البحرية تواصل النمو
ارتفعت كمية الصيد البحري إلى 97.6 ألف طن في عام 2025، مقابل 85.3 ألف طن في 2024، بنمو بلغ 14.4 %. وتصدر الخليج العربي بكمية مصيد بلغت 61.4 ألف طن، مقابل 36.2 ألف طن من البحر الأحمر. هذه الفجوة بين الساحلين تستحق الدراسة، فقد تعكس اختلافًا في كثافة الصيد، أو وفرة الأنواع، أو البنية التحتية، أو أعداد القوارب والموانئ. كما أن البحر الأحمر قد يحمل فرصًا أكبر في الصيد والخدمات اللوجستية والتصنيع والمشاريع الساحلية، لكن بشرط أن يكون التوسع متوازنًا مع متطلبات الاستدامة البيئية. فالمهم ليس صيد أكبر كمية ممكنة، بل تحقيق أعلى عائد اقتصادي مع المحافظة على المخزون السمكي.
فجوة الواردات تكشف حجم الفرصة
بلغت واردات المملكة من المنتجات البحرية خلال عام 2025 نحو 180.3 ألف طن، بينما بلغت الصادرات 49.4 ألف طن فقط. وهذا يعني أن المملكة، رغم النمو القوي في الإنتاج المحلي، ما زالت مستوردًا صافيًا للمنتجات البحرية بفارق كبير. قد تبدو هذه الفجوة سلبية، لكنها تكشف في الحقيقة عن فرصة استثمارية واضحة؛ فالسوق المحلي يستوعب كميات كبيرة، والطلب قائم، والبنية الأساسية للإنتاج تتوسع. وإذا تمكنت المشاريع المحلية من زيادة الكفاءة، وخفض التكلفة، وتنويع المنتجات، وتحسين التعبئة والتصنيع، فإن جزءًا من الواردات يمكن إحلاله بإنتاج وطني، مع إمكانية التوسع في التصدير لاحقًا. لكن إحلال الواردات لا يعني إنتاج المزيد فقط، بل يتطلب فهم طبيعة المنتجات المستوردة، وأسعارها، وأسباب تفضيل المستهلك لها، ثم توجيه الاستثمار نحو الفجوات الحقيقية في السوق.
من قطاع تقليدي
إلى صناعة غذائية متكاملة
يمتلك القطاع مقومات قوية، من بينها السواحل الطويلة، والطلب المحلي، والدعم الحكومي، والتمويل الزراعي، والمشاريع الكبرى في الاستزراع المائي. لكنه يواجه أيضًا تحديات تتعلق بالأعلاف، والأمراض، والتقنيات، وجودة المياه، والتبريد، والتسويق، وتكاليف التشغيل، والاستدامة البيئية. وهنا يظهر الفارق بين النمو السريع والنمو المستدام؛ فالتوسع غير المنضبط قد يرفع الإنتاج مؤقتًا، لكنه قد يضغط على الهوامش ويرفع المخاطر. أما النمو المبني على التقنية والكفاءة والتخطيط فهو القادر على الاستمرار. الأرقام الحالية تؤكد أن القطاع يسير في الاتجاه الصحيح، لكنها تؤكد كذلك أن المساحة أمامه ما زالت واسعة. إنتاج 289.9 ألف طن إنجاز مهم، لكن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من زيادة الكميات إلى تحسين الربحية والجودة والإنتاجية والقيمة المضافة. السؤال لم يعد: هل ينمو قطاع الثروة السمكية في المملكة؟ فالأرقام حسمت الإجابة.السؤال الحقيقي هو: هل نستطيع تحويل هذا النمو إلى صناعة متكاملة تقلل الواردات، وترفع الصادرات، وتخلق الوظائف، وتمنح الأمن الغذائي ركيزة جديدة؟ وإذا تحقق ذلك، فقد يصبح قطاع الثروة السمكية خلال السنوات المقبلة واحدًا من أكثر القطاعات الغذائية تحولًا في المملكة، لا بسبب ما نملكه من بحار فقط، بل بسبب قدرتنا على تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
إقرأ المزيد


