جريدة الرياض - 7/21/2026 2:19:56 AM - GMT (+3 )
"من قمم جبال التي يعانقها الضباب، إلى القرى التراثية وحفاوة أهلها.. كانت كل محطة تروي قصة مختلفة، وتجسد جانبا من ثراء وتنوع"، ولم تكن كلمات وزير السياحة أحمد الخطيب، خلال جولته في منطقة عسير "أبها"، مجرد وصف لجمال المكان، ولا انطباعات عابرة عن رحلة سياحية، بل كانت انعكاسًا لواقع جديد يتشكل على أرض المنطقة، إذ تتحول المقومات الطبيعية والتراثية إلى صناعة اقتصادية متنامية، تقودها رؤية المملكة 2030، وترسم ملامح واحدة من أهم الوجهات السياحية والاستثمارية في المملكة.
ولم تعد أبها، التي تجولت "الرياض" بين أبرز معالمها السياحية لرصد ملامح هذا التحول، مدينةً يرتبط اسمها بموسم الصيف فحسب، بل أصبحت وجهة سياحية واقتصادية متكاملة، فمن جبال السودة ومطلاتها البانورامية التي تكشف امتداد السلاسل الجبلية، إلى الطرق الحديثة التي تشق الجبال، والقصور والقرى التراثية، وحديقة أبو خيال، وشارع الفن، والمشروعات السياحية الجديدة، تتشكل اليوم منظومة متكاملة تعكس حجم التحول الذي تعيشه المنطقة، وتجسد كيف نجحت رؤية المملكة 2030 في تحويل المقومات الطبيعية والثقافية إلى رافد اقتصادي يولد الاستثمار والوظائف ويرفع جودة الحياة.
اقتصاد الجبال
وتكشف "الجولة الميدانية" في السودة وأبو خيال والمطلات الجبلية والوجهات التراثية أن التنمية في عسير لم تقتصر على تطوير المواقع الطبيعية، بل شملت شبكة الطرق، والمرافق العامة، والحدائق، والبنية التحتية، والخدمات السياحية، بما أسهم في تحويل المشهد الطبيعي إلى عنصر اقتصادي منتج، فالطريق الجبلي الذي يعبر المنحدرات لم يعد مجرد وسيلة للوصول، بل أصبح تجربة بصرية يقصدها الزوار، فيما تحولت المطلات والحدائق والقرى التراثية إلى وجهات تستقطب آلاف الزوار يومياً، بما ينعكس على الأسواق والمطاعم والمقاهي والفنادق والأنشطة التجارية المختلفة، وما تشهده أبها اليوم يؤكد أن الاستثمار في السياحة لم يعد مشروعاً ترفيهياً، بل مشروعاً اقتصادياً متكاملاً، يسهم في تنويع مصادر الدخل، وخلق الوظائف، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز جودة الحياة.
الوجهة عسير
ولم يعد الزائر يقصد أبها للاستمتاع بالأجواء المعتدلة فحسب، بل بات يجد منظومة متكاملة تشمل الفنادق والمنتجعات والمطاعم والفعاليات والمغامرات الجبلية والوجهات الثقافية والتراثية، وهو ما يعكس انتقال المدينة من مفهوم "المصيف" إلى مفهوم "الوجهة السياحية المتكاملة" التي تستقطب الزوار على مدار العام.
وتؤكد المؤشرات حجم هذا التحول، إذ تستهدف منطقة عسير استقبال أكثر من 3 ملايين زائر خلال موسم 2026، عبر تنظيم 122 فعالية، وتقديم 100 تجربة سياحية قابلة للحجز، إلى جانب توفير نحو 3000 فرصة عمل موسمية، فضلاً عن تنفيذ مشروعات ضيافة جديدة تتجاوز استثماراتها 444 مليون ريال، في وقت تشهد فيه المنطقة تنفيذ مشروعات استراتيجية كبرى تعزز جاهزيتها لاستقبال المزيد من السياح والمستثمرين.
ولا يقف أثر هذه المشروعات عند تنشيط الحركة السياحية فحسب، بل يمتد ليشمل قطاعات النقل والضيافة والتجزئة والمطاعم والخدمات والعقار، بما يعزز مساهمة السياحة في الناتج المحلي، ويجعلها أحد أهم روافد التنويع الاقتصادي الذي تستهدفه رؤية المملكة 2030، كما يأتي هذا الحراك بالتزامن مع النمو الذي تشهده السياحة الداخلية على مستوى المملكة، إذ سجل إنفاق السياحة المحلية خلال الربع الأول من العام الجاري نحو 34.7 مليار ريال، بنمو بلغ 16 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يعكس تزايد إقبال السعوديين والمقيمين على الوجهات المحلية، وفي مقدمتها عسير وأبها.
صناعة السياحة
وشدد خبراء اقتصاديون على أهمية توفير المقومات السياحة، وقال رجل الأعمال محمد الحماد: "ما تشهده أبها اليوم لم يكن ليتحقق لولا الدعم الكبير الذي وفرته رؤية المملكة 2030، والتي نجحت في تحويل السياحة الداخلية من نشاط موسمي إلى صناعة اقتصادية متكاملة، تستقطب رؤوس الأموال، وتوفر فرص العمل، وتعزز مساهمة القطاع الخاص في التنمية"، وأشار إلى أن الجولات للمسئولين ومتابعة المشروعات القائمة، تؤكد أن الدولة لا تكتفي بإطلاق المبادرات، بل تتابع تنفيذها ميدانياً لضمان تحقيق مستهدفاتها، وهو ما انعكس بصورة واضحة على تسارع وتيرة الاستثمار في المنطقة.
تنوع اقتصادي
وأكد رجل الأعمال حسين المعلم أن السياحة أصبحت أحد أبرز محركات الاقتصاد الوطني، بعدما نجحت المملكة في بناء منظومة متكاملة تضم البنية التحتية والفعاليات والاستثمار والخدمات، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على المدن السياحية وفي مقدمتها أبها، وقال: "إن الرؤية غيرت مفهوم السياحة، فلم تعد تقتصر على الترفيه، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً يخلق الوظائف، ويحفز الاستثمار، ويزيد من دوران رأس المال داخل الاقتصاد الوطني، مشيداً بما وفرته الدولة من دعم ومشروعات نوعية أسهمت في رفع تنافسية المملكة كوجهة سياحية عالمية".
وأوضح العقاري حسين النمر أن النمو الكبير في الحركة السياحية انعكس بصورة مباشرة على قطاع الإيواء السياحي، مشيراً إلى أن الطلب المتزايد على الفنادق والشقق الفندقية شجع المستثمرين على ضخ استثمارات جديدة في القطاع.
وأضاف "إن التوسع في المشروعات السياحية والفعاليات والمرافق الترفيهية رفع جاذبية الاستثمار العقاري المرتبط بالسياحة"، مؤكداً أن استمرار تنفيذ المشروعات الكبرى في عسير سيعزز قيمة الأصول العقارية، ويرفع نسب الإشغال الفندقي، ويفتح المجال أمام المزيد من الاستثمارات المحلية والدولية.
يشار إلى أن منصطة عسير فصلاً جديداً من قصة التحول السعودي، لتثبت أن رؤية 2030 لم تغيّر خريطة السياحة فحسب، بل أعادت رسم الخريطة الاقتصادية للوجهات السعودية، وجعلت من أبها نموذجاً وطنياً لاقتصاد سياحي مستدام عززته قمم السودة التي يعانقها الضباب، والمشروعات التي تتجاوز استثماراتها مليارات الريالات.
إقرأ المزيد


