جريدة الرياض - 7/31/2026 1:52:01 AM - GMT (+3 )
يشكّل توقيع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية اتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية محطةً إستراتيجية جديدة في مسار العلاقات الثنائية، وخطوة تعكس عمق الشراكة بين البلدين في مجالات الطاقة والتقنيات المتقدمة، وتأتي الاتفاقية في وقت تمضي فيه المملكة بوتيرة متسارعة نحو تنويع مزيج الطاقة واستدامته، ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، مع الالتزام الكامل بأعلى معايير الأمن والأمان النووي وعدم الانتشار. كما تؤكد هذه الخطوة حرص المملكة على تطوير برنامجها الوطني للطاقة النووية للأغراض السلمية، وبناء شراكات دولية تسهم في نقل المعرفة، وتوطين التقنيات، ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة.
تنويع مصادر الطاقة
ويقول خبير اقتصاديات سوق الطاقة العالمي، د. أنس الحجي في حديث لـ "الرياض": "يثير توجّه المملكة نحو تطوير برنامجها للطاقة النووية السلمية تساؤلات حول الحاجة إلى هذا المصدر من الطاقة، رغم امتلاكها احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، كما يثار التساؤل ذاته بشأن التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح".
وتتمثل الإجابة في عدة اعتبارات إستراتيجية، أولها أن تنويع مصادر الطاقة يُعد أحد المرتكزات الأساسية للأمن القومي، وهو نهج تتبناه الاقتصادات الكبرى، ولا سيما دول مجموعة العشرين، لضمان استدامة الإمدادات وتعزيز المرونة الاقتصادية.
كما تشير التوقعات إلى نمو متسارع في الطلب على الكهرباء خلال العقود المقبلة، مدفوعًا بالنمو السكاني، والتوسّع في الصناعات، ومراكز البيانات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والمشروعات السياحية والتنموية المرتبطة برؤية السعودية 2030. ومن دون الاعتماد على الطاقة النووية والمتجددة، ستضطر المملكة إلى استهلاك كميات أكبر من النفط محليًا بدلًا من تصديرها، وهو ما قد يؤثر في العوائد الاقتصادية، إلى جانب توجيه الغاز لإنتاج الكهرباء بدلًا من استثماره في صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، مثل الصناعات البتروكيميائية، ومن الجوانب المهمة أيضًا أن التوسّع في مصادر الطاقة النظيفة، وفي مقدمتها الطاقة النووية والمتجددة، يسهم في خفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء في المدن، بما يدعم مستهدفات الاستدامة البيئية.
إضافة إلى ذلك، فإن بناء القدرات الوطنية في مجال الطاقة النووية يمنح المملكة خبرات تقنية متقدمة، ويعزز مكانتها كدولة رائدة في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ويفتح المجال أمام فرص استثمارية وتعاون إقليمي في هذا القطاع، بما يسهم في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقرار في المنطقة اقتصاديا وبيئيا.
من جهته أكد الدكتور عدنان شهاب الدين، عالم فيزياء نووية واقتصادي متخصص في شؤون الطاقة: "إن اتفاقية التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بين المملكة وأميركا خطوة مهمة لمستقبل البرنامج النووي السعودي".
وأعتقد أن البرنامج كان ينتظر مثل هذه الاتفاقية للانتقال إلى المرحلة التالية، لأن الولايات المتحدة من أكثر الدول تقدمًا في مجال الطاقة النووية، سواء المدنية أو العسكرية. ولم يكن من الممكن للمملكة الاستفادة من هذا التقدم التقني دون وجود إطار قانوني وتنظيمي، وهو ما يعرف باتفاقية 123 للتعاون النووي المدني.
لكن هذه الاتفاقية، بطبيعتها، لا تعني بناء مفاعلات نووية بحد ذاتها، وإنما تفتح الباب أمام ذلك، والأهم أنها تتيح نقل التكنولوجيا، والتعاون في التدريب، وسلاسل الإمداد الخاصة بالوقود النووي، بدءًا من استخراج اليورانيوم، مرورًا بتصنيع الوقود، وصولًا إلى إدارة النفايات النووية بعد استخدام الوقود، كما تشمل مجالات الاستثمار، وتعزز ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين، ولذلك فهي تمثل خطوة ضرورية حتى يستفيد البرنامج النووي السعودي بأفضل صورة ممكنة من التقنيات النووية المتقدمة.
وفيما يتعلق بخدمة مستهدفات الرؤية، فلا شك أن الاتفاقية تنسجم معها، من خلال تنويع الاقتصاد، وتوطين التقنيات النووية المتقدمة، وتطوير الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وبناء كوادر بشرية مؤهلة، إلى جانب تقليل الاعتماد على النفط والغاز في توليد الكهرباء، بما يعزز الاستدامة الاقتصادية والبيئية.
فالطاقة النووية توفر كهرباء مستقرة على مدار الساعة طوال العام، كما أن انبعاثاتها الكربونية منخفضة جدًا، وقريبة من مستويات الطاقة المتجددة، ولذلك فهي تمثل مصدرًا مكملًا للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، اللتين تتأثران بالظروف الطبيعية.
كما أن استبدال جزء من محطات الكهرباء العاملة بالنفط أو الغاز بمحطات نووية سيحرر كميات كبيرة من النفط والغاز يمكن توجيهها للتصدير أو للصناعات ذات القيمة المضافة، وهو ما يزيد العوائد الاقتصادية ويرفع كفاءة استخدام الموارد الوطنية. ومن ثم فإن إدخال الطاقة النووية سيضيف مصدرًا موثوقًا للكهرباء يعزز أمن الطاقة واستدامتها، لأن أمن الطاقة يزداد كلما تنوعت مصادرها وامداداتها وتقنياتها.
وفي هذا السياق، فإن الاتفاق مع الولايات المتحدة لا ينبغي أن يعني حصر التعاون بها وحدها، لأن الحصرية لا تعزز أمن الطاقة، ولا أعتقد أن نص الاتفاقية يتضمن شرطًا حصريًا، وإنما يمنح أفضلية للاستفادة من التقنيات الأميركية المتقدمة، مع بقاء المجال مفتوحًا للتعاون مع شركاء آخرين.
اقتصاديًا، يمكن للاتفاقية أن تجذب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات، وأن تسهم في تطوير صناعة محلية مرتبطة بالطاقة النووية، وتوفير وظائف نوعية، وتحفيز البحث والتطوير، بما يعزز مساهمة الاقتصاد المعرفي والصناعات التقنية في الناتج المحلي، كما ستدعم برامج التعليم والتدريب، وإعداد المهندسين والفنيين في مختلف تخصصات دورة الوقود النووي، من استخراج اليورانيوم وحتى توليد الكهرباء وإدارة النفايات، إضافة إلى مجالات الرقابة والأمان النووي.
كذلك ستعزز التعاون بين الجامعات السعودية ومراكز الأبحاث والشركات العالمية، بدعم حكومي أميركي، بما يسهم في توطين المعرفة والتقنية داخل المملكة.
ويجب التأكيد على أن نجاح البرنامج النووي السعودي لن يقاس فقط بعدد المفاعلات التي سيتم بناؤها، وإنما بقدرته على إنشاء منظومة وطنية متكاملة تشمل التشريعات، والهيئات الرقابية، والكفاءات البشرية، والصناعات المحلية، والالتزام بمعايير الأمان والأمن والضمانات الدولية، وهذا التزام يمتد لعقود طويلة، وربما لقرن كامل.
أما فيما يتعلق بحرية المملكة في التعاون مع دول أخرى، فلا ينبغي أن تتضمن الاتفاقية قيودًا تمنع التعاون النووي مع شركاء آخرين، ولا أعتقد أنها ستفعل ذلك. فالسوابق، مثل اتفاقيات 123 مع الإمارات وكوريا الجنوبية، لا تجعل الولايات المتحدة المورد الوحيد.
"الصندوق الأسود"
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن المملكة ستبدأ بالحصول على خدمات التخصيب من مورد أميركي، مع دراسة مشتركة تستمر نحو عامين. وإذا ثبتت الحاجة إلى إنشاء قدرات للتخصيب داخل المملكة، فقد يجري نقل تقنية التخصيب إليها، وإن كانت على هيئة "الصندوق الأسود" (Black Box)، أي دون نقل كامل المعرفة التقنية الداخلية.
كما تستطيع المملكة التعاقد مع شركات من كوريا الجنوبية أو اليابان أو الصين أو روسيا، لبناء مفاعلات بعضها قد يكون ذات منشأ أميركي. والاستفادة من خدمات الوقود من موردين غير أميركيين، إلا أن أي تقنية ذات منشأ أميركي ستظل خاضعة لشروط اتفاقية 123، حتى وإن جاءت عبر طرف ثالث، ولذلك، فإن التعاون مع دول أخرى لن يكون ممنوعًا تلقائيًا، لكنه قد يخضع لبعض القيود إذا احتوت تلك المشروعات على مكونات أو تقنيات أميركية المنشأ.
وأعتقد أن هذه الاتفاقية تشبه، إلى حد كبير، الاتفاق الذي وقع بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مع مطلع الألفية، والذي جرى تطويره مؤخراً في أكتوبر 2025، لكنها ليست مطابقة له، لأن كوريا الجنوبية دولة نووية متقدمة ومصدرة للتقنية، في حين أن جزءًا من تقنياتها يعتمد أيضًا على التكنولوجيا الأميركية، لذلك، فإن اتفاقية 123 ستشكل الإطار القانوني الذي يسمح للشركات الأميركية، وكذلك للشركات الأجنبية التي تستخدم تقنيات أميركية، بنقل المواد والتكنولوجيا النووية إلى المملكة.
ومن أبرز ما يميز الاتفاقية، أنها لا تفرض على المملكة التخلي المسبق والدائم عن حق التخصيب أو إعادة المعالجة، وهذه خطوة متقدمة لأنها تترك الباب مفتوحًا لترتيبات تفاوضية مستقبلية، ولا تفرض حظرًا دائمًا على الدولة الشريكة.
وتهدف الاتفاقية التي وقعها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية، مع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، إلى تعزيز التعاون بين البلدين في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ودعم تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات، بما يسهم في تطوير التعاون المشترك وفق أعلى المعايير الدولية ذات العلاقة بالأمن والأمان النوويين وعدم الانتشار النووي، ويعكس الرؤية المشتركة للبلدين نحو توسيع التعاون في مجالات الطاقة والتقنيات المستقبلية ودعم التنمية المستدامة.
وتمثّل الاتفاقية امتدادًا للتعاون القائم بين البلدين في قطاع الطاقة، ودعمًا للجهود الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة، وتطوير التقنيات المتقدمة، وتعزيز فرص التعاون والاستثمار بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين الصديقين.
وكان وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان قد شدد على أن المملكة تعكف على الاستفادة من الطاقة النووية وتطبيقاتها الإشعاعية للأغراض السلمية وتواصل تنفيذ مشروعها الوطني للطاقة النووية في جميع مكوناتها، ومن ذلك بناء أول محطة للطاقة النووية في المملكة، للإسهام في تشكيل مزيج الطاقة الوطني وتحقيق التنمية الوطنية المستدامة وفقاً للمتطلبات الوطنية والالتزامات الدولية.
وأضاف وزير الطاقة، خلال إلقائه كلمة المملكة في الدورة الـ68 للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا في سبتمبر الماضي: "ولتحقيق ذلك استكملت المملكة مقومات الاستعداد الإداري الأساسية المتعلقة بالعمل الرقابي النووي ومتطلبات تحقيق الالتزامات في اتفاق الضمانات الشاملة المقدمة للوكالة في 20 يوليو 2024 بطلب إيقاف بروتوكول الكميات الصغيرة والتحول إلى التطبيق الكامل لاتفاق الضمانات ونعمل حالياً مع الوكالة على الانتهاء من الإجراءات الفرعية في نهاية شهر ديسمبر 2024".
وأكد وزير الطاقة التزام المملكة بالمتطلبات الدولية الملزمة قانوناً ذات العلاقة بمشروعها الوطني للطاقة النووية، كما أن أنظمة المملكة الوطنية وبنيتها المؤسساتية تحقق متطلبات الرقابة على المواد النووية والتقنية ومراقبة الصادرات بما يتوافق مع التزاماتها بدورها الهام في المنظومة الدولية لمنع الانتشار.
وأوضح أن المملكة أودعت في 7 أغسطس من هذا العام صك انضمامها لاتفاقيات امتيازات وحصانات الوكالة، حيث تلتزم المملكة بعدد من الوثائق الدولية ذات العلاقة بالمجالات النووية بما في ذلك المتعلقة بالأمن والأمان والضمانات النووية كما تتعاون المملكة مع الوكالة لاستضافة ورشة عمل للتعريف بالاتفاقية المشتركة بشأن أمان التصرف في الوقود المستهلك وإدارة النفايات المشعة.
إقرأ المزيد


