تشديد «الفائدة» وتصاعد التوترات الجيوسياسية يكبحان زخم «البيتكوين»
جريدة الرياض -

تشهد عملة البيتكوين مرحلة دقيقة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية الكلية مع التطورات الجيوسياسية بصورة غير مسبوقة، وهو ما يجعل قراءة تحركاتها الحالية تتجاوز التحليل الفني التقليدي إلى فهم أعمق لتحركات السياسة النقدية وتدفقات السيولة العالمية.

وقالت رانيا جول، كبير محللي الأسواق في إكس اس دوت كوم، لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إن تماسك البيتكوين بالقرب من مستوى 64 ألف دولار لا يعكس قوة شرائية حقيقية بقدر ما يعكس حالة ترقب واسعة بين المستثمرين، الذين يحاولون تقييم المسار المستقبلي لأسعار الفائدة الأمريكية في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية. وعلى الرغم من أن العملة نجحت في الحفاظ على مستويات دعم فنية مهمة، فإن الأسواق لا تزال تفتقر إلى المحفز الأساسي القادر على إطلاق موجة صعود مستدامة.

وقرار الاحتياطي الفيدرالي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لم يكن في حد ذاته مفاجئاً للأسواق، لكن الرسائل التي صاحبت القرار كانت أكثر أهمية من القرار نفسه. فالاعتراضات الداخلية من عدد من أعضاء اللجنة المؤيدة لرفع الفائدة، إلى جانب النبرة المتشددة التي تبناها رئيس الاحتياطي الفيدرالي، تعكس أن معركة السيطرة على التضخم لم تنتهِ بعد.

هذه الرسائل تحمل دلالات سلبية للأصول عالية المخاطر، وفي مقدمتها العملات المشفرة، لأن استمرار السياسة النقدية المتشددة يعني بقاء تكلفة السيولة مرتفعة، وهو ما يقلل شهية المستثمرين للمخاطرة ويزيد من جاذبية الدولار الأمريكي والأدوات الاستثمارية ذات العائد الثابت.

والأسواق ربما كانت تراهن على بداية تحول تدريجي نحو سياسة نقدية أكثر مرونة خلال النصف الثاني من العام، إلا أن تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أعادت تسعير هذه التوقعات بشكل واضح. وهذا التحول في توقعات المستثمرين يمثل أحد أهم الأسباب التي حدّت من قدرة البيتكوين على مواصلة التعافي، إذ إن العملات المشفرة تاريخياً تستفيد من بيئة الفائدة المنخفضة وتوسع السيولة، بينما تواجه ضغوطاً واضحة عندما ترتفع العوائد الحقيقية على السندات ويزداد الطلب على الدولار.

إلى جانب العامل النقدي، لا يمكن تجاهل التأثير المتزايد للتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على الأسواق العالمية. فالتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، والمخاوف المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، أعادا علاوة المخاطر إلى الأسواق المالية. وهذه التطورات لا تؤثر على البيتكوين بصورة مباشرة، لكنها تؤثر على البيئة الاستثمارية العالمية بأكملها من خلال دفع أسعار النفط إلى الارتفاع، وهو ما يعيد إحياء مخاوف التضخم ويزيد من احتمالات استمرار البنوك المركزية في تبني سياسات نقدية متشددة لفترة أطول.

ويتجاهل المستثمرون الذين يروجون لفكرة أن البيتكوين أصبحت ملاذاً آمناً خلال الأزمات الجيوسياسية، حقيقة مهمة، وهي أن سلوك العملة خلال السنوات الأخيرة أظهر ارتباطاً أكبر بالأصول عالية المخاطر، خاصة أسهم التكنولوجيا، أكثر من ارتباطها بأصول التحوط التقليدية مثل الذهب. لذلك، فإن أي تراجع في شهية المخاطرة العالمية نتيجة تصاعد التوترات أو تشدد السياسة النقدية غالباً ما ينعكس سلباً على أداء البيتكوين، حتى وإن حافظت على بعض مستويات الدعم الفنية.

ورغم هذه الضغوط، فإن هناك عاملاً إيجابياً لا ينبغي التقليل من أهميته، ويتمثل في عودة التدفقات الإيجابية إلى صناديق الاستثمار الفورية للبيتكوين المتداولة في الولايات المتحدة بعد أربعة أيام متتالية من التخارج. وهذه التدفقات، وإن كانت محدودة من حيث القيمة، تعكس استمرار اهتمام المستثمر المؤسسي بالبيتكوين وعدم خروجه الكامل من السوق. لكن في الوقت ذاته، تظل تدفقات بقيمة تتجاوز قليلاً 32 مليون دولار غير كافية لتغيير الاتجاه العام، بل تمثل إشارة أولية فقط تحتاج إلى الاستمرارية والتوسع حتى تتحول إلى قوة شرائية قادرة على دفع الأسعار نحو مستويات قياسية جديدة.

والعامل الحاسم خلال الأسابيع المقبلة لن يكون التحليل الفني أو الأخبار الفردية، وإنما اتجاه السيولة المؤسسية. فإذا استمرت صناديق "إي تي اف" في تسجيل تدفقات إيجابية متزايدة بالتزامن مع تراجع المخاوف بشأن التضخم أو ظهور مؤشرات على اقتراب الفيدرالي من إنهاء دورة التشديد، فقد نشهد عودة قوية للطلب على البيتكوين. أما إذا استمرت التدفقات ضعيفة بالتوازي مع قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات، فمن المرجح أن يبقى السوق داخل نطاق عرضي مع ميل واضح للتصحيح.

ومن الناحية الاستثمارية، تتطلب المرحلة الحالية قدراً كبيراً من الانضباط وإدارة المخاطر، لأن الأسواق أصبحت شديدة الحساسية تجاه البيانات الاقتصادية والتصريحات الرسمية. فكل قراءة للتضخم أو بيانات سوق العمل الأمريكية باتت قادرة على تغيير توقعات السياسة النقدية، وبالتالي تغيير اتجاه البيتكوين في غضون ساعات. لذلك، فإن المستثمر الذي يركز فقط على الرسوم البيانية دون متابعة التطورات الاقتصادية قد يجد نفسه أمام تحركات يصعب تفسيرها فنياً.

في النهاية، إن مستقبل البيتكوين خلال المدى القريب سيظل مرهوناً بثلاثة عوامل رئيسة: أولها، مسار السياسة النقدية الأمريكية وما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيواصل لهجته المتشددة؛ وثانيها، تطورات التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على أسعار الطاقة والتضخم؛ وثالثها، استمرار التدفقات المؤسسية إلى صناديق البيتكوين الفورية.

وإذا لم تشهد هذه العوامل تحولاً إيجابياً متزامناً، فإن البيتكوين قد تواصل التحرك في نطاق عرضي مع بقاء الضغوط البيعية حاضرة عند الارتفاعات. أما في حال تراجع التضخم وهدوء التوترات الجيوسياسية وازدياد التدفقات المؤسسية، فإن العملة ستستعيد زخمها الصاعد تدريجياً، لتعود من جديد إلى استهداف مستويات قياسية أعلى خلال الأشهر المقبلة.



إقرأ المزيد