ميزانية الربع الثاني 2026.. الإيرادات تتحسن والإنفاق يتسارع
جريدة الرياض -

تكشف نتائج الميزانية العامة للسعودية خلال النصف الأول من عام 2026 عن استمرار السياسة المالية التوسعية التي تتبناها الدولة لدعم النشاط الاقتصادي، وتسريع تنفيذ المشروعات، والمحافظة على جودة الخدمات الأساسية. وفي المقابل، تظهر الأرقام ارتفاعًا واضحًا في المصروفات يفوق نمو الإيرادات، ما أدى إلى تسجيل عجز بلغ 160 مليار ريال خلال ستة أشهر فقط، وهو رقم يقترب كثيرًا من العجز المقدر لكامل العام والبالغ 165.4 مليار ريال. غير أن قراءة الميزانية لا ينبغي أن تتوقف عند حجم العجز، لأن طبيعة الإنفاق، ومصادر نمو الإيرادات، وآلية تمويل العجز، ومستوى الاحتياطيات والدين العام، تقدم صورة أكثر شمولًا عن توجهات المالية العامة وقدرتها على الاستمرار. بلغت إيرادات الدولة خلال النصف الأول نحو 599.8 مليار ريال، مقابل مصروفات بلغت 759.8 مليار ريال. وبذلك حققت الإيرادات نحو 52.3 % من تقديرات الميزانية السنوية البالغة 1.147 تريليون ريال، بينما وصلت المصروفات إلى نحو 57.9 % من الاعتمادات السنوية البالغة 1.313 تريليون ريال. ويعكس هذا التفاوت أن وتيرة الصرف خلال النصف الأول كانت أسرع من وتيرة تحصيل الإيرادات، وهو ما يفسر وصول العجز إلى نحو 97 % من العجز المقدر للعام كاملًا.

الربع الثاني يقلص الضغوط

رغم ارتفاع العجز التراكمي، فإن أداء الربع الثاني جاء أفضل بكثير من الربع الأول. فقد ارتفعت الإيرادات الفصلية إلى 338.8 مليار ريال، مقابل 261 مليار ريال خلال الربع الأول، أي بنمو يقارب 30 %. وفي المقابل، تراجعت المصروفات من 386.7 مليار ريال إلى 373.1 مليار ريال. هذه الحركة خفضت عجز الربع الثاني إلى 34.3 مليار ريال، مقارنة بعجز بلغ 125.7 مليار ريال في الربع الأول، أي أن العجز الفصلي انخفض بنحو 73 %. وهو تحسن مهم يدل على أن الضغوط التي ظهرت في بداية العام لم تستمر بالحدة نفسها، وأن ارتفاع الإيرادات النفطية وغير النفطية منح المالية العامة قدرة أكبر على تغطية الإنفاق. ومقارنة بالربع الثاني من العام السابق، ارتفعت الإيرادات الإجمالية بنسبة 12 %، بينما زادت المصروفات بنسبة 11 %. وهذه المقارنة تؤكد أن نمو الإيرادات خلال الربع الثاني كان كافيًا لاستيعاب الجزء الأكبر من الزيادة في الإنفاق، وإن لم يكن كافيًا لتحقيق التوازن.

النفط يعود لدعم الإيرادات

بلغت الإيرادات النفطية خلال النصف الأول 329.8 مليار ريال، مرتفعة بنسبة 9 % عن الفترة المماثلة من عام 2025، وشكلت نحو 55 % من إجمالي الإيرادات. أما الإيرادات غير النفطية فبلغت 269.9 مليار ريال، بنمو محدود نسبته 2 %، وبحصة تقارب 45 %. وفي الربع الثاني وحده، ارتفعت الإيرادات النفطية بنسبة 22 % إلى 185.1 مليار ريال، لتكون المحرك الرئيس لنمو الإيرادات الفصلية. ويشير ذلك إلى أن الميزانية، رغم التطور الكبير في الإيرادات غير النفطية، لا تزال تتأثر بدرجة ملموسة بحركة الإيرادات النفطية وتوقيتها. أما الإيرادات غير النفطية، فقد ارتفعت في الربع الثاني بنسبة 3 % إلى 153.7 مليار ريال. وسجلت الضرائب على السلع والخدمات نموًا بنسبة 6 %، وارتفعت الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية بنسبة 9 %، في حين انخفضت الضرائب على التجارة والمعاملات الدولية بنسبة 24 %، وتراجعت الإيرادات الأخرى بنسبة 7 %. ويظهر هذا التوزيع أن قاعدة الإيرادات غير النفطية أصبحت أكثر استقرارًا، إلا أن معدلات نموها خلال الفترة كانت أقل من نمو الإنفاق، وهو ما يحد من قدرتها الحالية على تعويض التوسع المالي بصورة كاملة.

الإنفاق يتقدم بوتيرة أسرع

ارتفعت مصروفات النصف الأول بنسبة 15 % مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، لتصل إلى 759.8 مليار ريال. ولا تعكس هذه الزيادة نموًا في النفقات التشغيلية فقط، بل ترتبط أيضًا بارتفاع الإنفاق الرأسمالي والإنفاق على المشروعات والخدمات العامة. بلغت تعويضات العاملين 295.4 مليار ريال، بزيادة 3 %، وشكلت نحو 39 % من إجمالي المصروفات، لتبقى أكبر بنود الإنفاق. وارتفع الإنفاق على استخدام السلع والخدمات بنسبة 25 % إلى 172.3 مليار ريال، وهو نمو مرتفع قد يرتبط بتوسع الأنشطة الحكومية والتشغيل والصيانة وتنفيذ البرامج والمبادرات. كما ارتفعت نفقات التمويل بنسبة 20 % إلى 29.1 مليار ريال، وهو انعكاس طبيعي لارتفاع حجم الدين وتكاليف الاقتراض. وزادت الإعانات بنسبة 117 % إلى 30.8 مليار ريال، بينما ارتفعت المنافع الاجتماعية بنسبة 6 % إلى 73.5 مليار ريال. اللافت كذلك ارتفاع الإنفاق على الأصول غير المالية، أو الإنفاق الرأسمالي، بنسبة 32 % إلى 89.7 مليار ريال. وهذا البند مهم في تقييم جودة العجز، لأن العجز الناتج عن تمويل أصول ومشروعات إنتاجية يختلف اقتصاديًا عن العجز الناتج عن تضخم المصروفات الجارية فقط. فالإنفاق الرأسمالي يمكن أن يرفع الطاقة الإنتاجية، ويحفز القطاع الخاص، ويوفر وظائف، ويعزز النمو مستقبلاً.

الصحة والبنية التحتية

في صدارة التنفيذ

على مستوى القطاعات، استحوذ قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية على أعلى إنفاق خلال النصف الأول، بقيمة 170.6 مليار ريال، تمثل 66 % من ميزانيته السنوية، وبزيادة 10 % عن العام السابق. وبلغ الإنفاق العسكري 124.6 مليار ريال، وقطاع التعليم 109.7 مليار ريال. كما سجل قطاع الموارد الاقتصادية نموًا في الإنفاق بنسبة 24 % إلى 56.5 مليار ريال، وارتفع الإنفاق على التجهيزات الأساسية والنقل بنسبة 21 % إلى 22.4 مليار ريال. وتعكس هذه الأرقام استمرار توجيه الإنفاق نحو القطاعات التي تدعم جودة الحياة والبنية التحتية والنشاط الاقتصادي. إلا أن وصول بعض القطاعات إلى نسب تنفيذ تتجاوز 60 % خلال النصف الأول يعني أن النصف الثاني سيحتاج إلى إدارة دقيقة للاعتمادات، خصوصًا إذا استمرت المصروفات بالوتيرة نفسها.

الدين يمول العجز

دون السحب من الاحتياطيات

تم تمويل كامل عجز النصف الأول، البالغ 160 مليار ريال، من خلال الدين، دون استخدام الاحتياطيات الحكومية. وارتفع الدين العام من 1.519 تريليون ريال في بداية الفترة إلى نحو 1.685 تريليون ريال بنهاية النصف الأول، بزيادة تقارب 166 مليار ريال، أو نحو 11%. بلغ الدين الداخلي 1.060 تريليون ريال، بما يعادل نحو 63 % من إجمالي الدين، بينما بلغ الدين الخارجي 624.9 مليار ريال. ويمنح الاعتماد الأكبر على الدين المحلي مرونة في إدارة التمويل، لكنه يستدعي في الوقت نفسه مراقبة أثر الاقتراض الحكومي في السيولة المتاحة للقطاع الخاص وتكاليف التمويل في السوق المحلية. وفي المقابل، بقي رصيد الاحتياطي العام للدولة عند نحو 399.1 مليار ريال، وبلغ رصيد الحساب الجاري 39.9 مليار ريال. ويشير عدم اللجوء إلى الاحتياطيات إلى توجه واضح للمحافظة على الأصول السائلة واستخدام أدوات الدين لتمويل الاحتياجات المرحلية.

التحدي في النصف الثاني

الرسالة الأساسية من أرقام النصف الأول ليست أن العجز خرج عن السيطرة، بل إن الإنفاق يتحرك بسرعة أكبر من نمو الإيرادات. وقد يكون ذلك مقبولًا ضمن سياسة مالية توسعية تستهدف دعم التحول الاقتصادي وتسريع المشروعات، بشرط أن يتحول هذا الإنفاق إلى أصول منتجة ونمو اقتصادي وإيرادات مستقبلية. لكن اقتراب العجز المحقق خلال ستة أشهر من تقديرات العام كاملًا يضع النصف الثاني أمام اختبار مهم. فاستمرار مستويات الصرف الحالية دون تحسن إضافي في الإيرادات قد يؤدي إلى تجاوز العجز المستهدف وزيادة الاحتياجات التمويلية والدين العام. لذلك ستعتمد النتيجة النهائية للميزانية على ثلاثة عوامل رئيسة: أداء الإيرادات النفطية، وقدرة الإيرادات غير النفطية على تحقيق نمو أقوى، ومدى ضبط وتيرة الصرف خلال النصف الثاني. وحتى الآن، تظهر الميزانية قدرة مالية كبيرة واستمرارًا في الإنفاق التنموي، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الحفاظ على الاستدامة يتطلب موازنة دقيقة بين سرعة تنفيذ المشروعات، وكفاءة الإنفاق، ونمو الإيرادات، وتكاليف الدين.

حسين بن حمد الرقيب


إقرأ المزيد