جريدة الرياض - 8/10/2026 4:03:15 AM - GMT (+3 )
وسّعت المملكة دائرة التنمية التشاركية، فهل اتسع معها دور القطاع الخاص؟
في يوليو الماضي، قدّمت المملكة تقريرها الوطني الطوعي الثالث خلال المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة في نيويورك؛ تقريرًا يعكس حصيلة مسيرة تنموية شارك في صياغتها أكثر من 140 جهة، ضمن جهد وطني قادته وزارة الاقتصاد والتخطيط، وجمع حول أهداف التنمية المستدامة أطرافًا متعددة من شركاء التنمية.
وربما تكمن إحدى أهم دلالات التقرير في اتساع المشاركة التي صاغت مضمونه؛ فأكثر من 140 جهة أسهمت في هذا الجهد الوطني، في صورة تعكس اتساع مفهوم الشراكة في التنمية السعودية.
وامتد هذا المعنى إلى نيويورك، حيث ضم وفد المملكة ممثلين عن جهات متعددة، وكان للمجتمع المدني حضوره ضمن هذا المشهد.
وفي هذا السياق جاءت مشاركتي ضمن وفد المملكة الرسمي غير الحكومي من خلال المنتدى السعودي للأبنية الخضراء، بصفته أول مؤسسة سعودية غير حكومية تحصل على الصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC).
وتحمل هذه الصفة معنى يتجاوز المشاركة في محفل دولي؛ فهي تتيح لمؤسسات المجتمع المدني مساحة للمساهمة في الحوار التنموي العالمي، وبناء الشراكات، ونقل الخبرات والتجارب بين المحلي والدولي. أما وجود المجتمع المدني ضمن وفد المملكة، فيحمل دلالة وطنية تستحق التوقف عندها: أن التنمية التشاركية التي تتحدث عنها التقارير أصبحت حاضرة أيضًا فيمن يحمل قصة المملكة إلى العالم.
وفي هذا المشهد، افتقدتُ القطاع الخاص مرتين..
كانت الأولى من موقع المجتمع المدني نفسه.
فالعمل في هذه المساحة يكشف حجم ما يمكن أن يحدث حين تلتقي قدرة المجتمع المدني على ابتكار المبادرات والوصول إلى المستفيدين، مع ما يمتلكه القطاع الخاص من استثمار وتقنية وخبرة وقدرة على التوسع. وفي المحافل الدولية تحديدًا، تستطيع هذه الشراكة أن تنقل الحضور السعودي من المشاركة في النقاش إلى تقديم نماذج ومبادرات وشراكات تحمل أثرًا يمتد إلى ما بعد انتهاء الحدث.
وفي المنتدى السياسي رفيع المستوى، كان للقطاع الخاص مقعدٌ أكبر ينتظره.
والمقعد هنا أوسع من تشكيل وفد أو حضور فعالية جانبية؛ إنه مساحة في صناعة الأثر توازي ما يمتلكه القطاع من قدرة.
أما المرة الثانية، فكانت أمام التقرير الوطني نفسه.
فالقطاع الخاص كان أحد شركاء إعداد التقرير، وحضوره جزء من النهج التشاركي الذي عكسه. وهنا يصبح السؤال أبعد من عدد الجهات المشاركة، وأكبر من الحضور في محفل دولي:
هل يظهر أثر القطاع الخاص بما يليق بثقله في الاقتصاد الوطني؟
هنا تحديدًا اختلف معنى الافتقاد بالنسبة لي. لم أفتقد وجود القطاع الخاص بقدر ما افتقدت حجم وجوده.
فالثقل الاقتصادي ينبغي أن يظهر في ثقلٍ تنموي قابل للرؤية والقياس.
والقطاع الخاص، بما يمتلكه من قدرة استثمارية وابتكارية وتنفيذية، يستطيع أن يضيف إلى التنمية التشاركية أكثر بكثير من حضور مناسبة أو دعم مبادرة منفردة. يستطيع أن يصنع شراكات ممتدة مع المجتمع المدني، وأن يحول المسؤولية الاجتماعية والاستدامة إلى أثر يمكن قياسه، وأن يجعل هذا الأثر جزءًا واضحًا من حضوره المؤسسي ومن الصورة الوطنية للتنمية في الوقت نفسه.
فالتقرير الوطني يُقدَّم في يوم، لكن الأثر الذي يرويه يُصنع طوال العام.
وهنا تبدأ الـ365 يومًا التي تسبق التقرير التالي: ماذا صنعنا خلالها؟ وكم من الشراكات تحولت إلى أثر؟ وكم من هذا الأثر تم قياسه وتوثيقه والإفصاح عنه؟ وكم من تلك النتائج وجد طريقه إلى الصورة الأوسع للتنمية في المملكة؟
هذه الأسئلة تعكس حجم الرهان على القطاع الخاص أكثر مما تنتقص من حضوره؛ فكلما اتسع دوره في الاقتصاد الوطني، اتسعت معه قدرته على صناعة أثر تنموي يتجاوز حدود المنشأة إلى المجتمع، وكلما ازدادت شراكته مع الدولة، أصبحت شراكته مع المجتمع المدني مساحة تستحق مزيدًا من الاستثمار والاهتمام.
والقطاع الخاص اليوم شريك أصيل في مسيرة المملكة التنموية؛ وما نتطلع إليه ليس دورًا جديدًا يُضاف إلى أدواره، وإنما أثرٌ أكثر وضوحًا لدور يملكه بالفعل؛ أثر تقاس نتائجه، وتُوثّق مساهماته، ويُفصح عنه، وتصبح شراكته مع المجتمع المدني جزءًا أكثر حضورًا في الصورة الوطنية للتنمية.
وبين التقرير الوطني الطوعي الحالي والقادم، يبقى أمام القطاع الخاص مساحة واسعة ليكتب أثره؛ أثرًا يوازي ثقله الاقتصادي الذي تصنعه الشراكات، وتثبته النتائج، ويمنحه الإفصاح مكانه المستحق في قصة التنمية السعودية.
- أخصائية استدامة
إقرأ المزيد


