المملكة على أعتاب طفرة استثمارية في الطاقة المتجددة
جريدة الرياض -

توقع خبراء اقتصاديون ارتفاع وتيرة الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة بالمملكة خلال السنوات المقبلة، ودخول القطاع في طفرة استثمارية جديدة خلال القرن الحادي والعشرين، مدفوعة بالتوسع المتسارع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح وتخزين الكهرباء، والنمو المتوقع في الطلب على الطاقة مع توسع الصناعة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وتحلية المياه والسيارات الكهربائية والهيدروجين، مؤكدين أن حجم المشروعات الجاري تنفيذها يفتح آفاقًا استثمارية واسعة أمام القطاع الخاص ورؤوس الأموال الوطنية.

ورصدت «الرياض» مؤشرات قطاع الطاقة المتجددة خلال عام 2025، التي أظهرت تسارعًا لافتًا في حجم المشروعات والاستثمارات، إذ تجاوز حجم الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة المشغلة بنهاية العام 36 مليار ريال، بالتزامن مع استمرار المملكة في تطوير محفظة ضخمة من مشاريع الطاقة النظيفة، في خطوة تعزز تنويع مزيج الطاقة ورفع كفاءة استخدام الموارد.

وبلغ إجمالي قدرات مشاريع الطاقة المتجددة المطروحة نحو 64 جيجاواط، فيما وصلت قدرات المشاريع المتصلة بالشبكة الكهربائية بنهاية 2025 إلى نحو 12.3 جيجاواط، ما يعكس النمو المتسارع في دخول قدرات جديدة من الطاقة الشمسية والرياح إلى منظومة الكهرباء الوطنية.

وشهد عام 2025 كذلك توقيع اتفاقيات شراء الطاقة لسبعة مشاريع جديدة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بقدرة إجمالية تبلغ 15 جيجاواط، وباستثمارات تجاوزت 31 مليار ريال، في مؤشر على حجم رؤوس الأموال التي تستقطبها مشاريع الطاقة الجديدة، وتحول القطاع إلى أحد المسارات الاستثمارية الواعدة في الاقتصاد الوطني.

وامتد التوسع إلى تخزين الطاقة بالبطاريات، الذي يمثل أحد العناصر الرئيسة لدعم موثوقية الشبكة واستيعاب الإنتاج المتغير من الشمس والرياح، إذ دخلت مشاريع بسعة تخزينية بلغت 8 جيجاواط/ساعة إلى الخدمة، بالتوازي مع تطوير قدرات إضافية، ما يعزز مرونة منظومة الكهرباء ويدعم التوسع المستقبلي في الاعتماد على المصادر المتجددة.

ولا تقتصر الآثار الاقتصادية لهذه المشاريع على إنتاج الكهرباء، إذ تفتح الاستثمارات الضخمة سوقًا واسعة أمام القطاع الخاص في تصنيع البطاريات والمكونات والهياكل والكابلات، وتركيب وتشغيل وصيانة المحطات، وتقنيات تنظيف الألواح الشمسية آليًا، وحلول الطاقة للمصانع والمستودعات والمزارع والفنادق، إضافة إلى البنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية، بما يدعم المحتوى المحلي ويخلق فرصًا استثمارية ووظيفية جديدة.

وتتزامن طفرة المشاريع السعودية مع تحول عالمي متسارع في سوق الطاقة، إذ قدرت وكالة الطاقة الدولية إجمالي الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة خلال عام 2025 بنحو 3.3 تريليون دولار، منها نحو 2.2 تريليون دولار موجهة إلى تقنيات الطاقة النظيفة، بما يشمل الطاقة المتجددة والشبكات والتخزين وكفاءة الطاقة وغيرها من التقنيات، وهو ما يعكس اتجاه رؤوس الأموال العالمية بصورة متزايدة نحو الكهرباء والطاقة النظيفة.

وتعزز هذه المؤشرات فرص المملكة في الانتقال من التوسع في إنتاج الطاقة المتجددة إلى بناء منظومة صناعية واستثمارية متكاملة حولها، تشمل توطين التقنيات والمكونات والخدمات المرتبطة بالقطاع، بما يمكن أن يدعم مستقبلاً تحول المملكة إلى مركز إقليمي لصناعات وخدمات الطاقة يخدم أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا.

فرصة استثمارية

وقال أستاذ الإدارة الدولية والموارد البشرية والمشاريع بجامعة الملك فيصل د. محمد القحطاني لـ»الرياض»: «إن الطاقة المتجددة في المملكة لم تعد قطاعًا مستقبليًا يجري الحديث عن فرصه، بل أصبحت اليوم فرصة استثمارية قائمة بالفعل»، مشيرًا إلى أن الجدوى الاقتصادية تختلف بحسب نوع المشروع ونموذج الإيرادات، إلا أن ما تشهده المملكة من توسع في المشروعات يؤكد قوة هذا القطاع وقدرته على استقطاب استثمارات جديدة خلال السنوات المقبلة.

وأوضح أن المملكة وقعت اتفاقيات لشراء الطاقة لعدد من مشروعات الطاقة الشمسية والرياح باستثمارات تتجاوز عشرات المليارات من الريالات، بالتوازي مع توسع محفظة مشروعات الطاقة المتجددة، وربط المزيد من القدرات بالشبكة الكهربائية، إلى جانب التوسع في تقنيات تخزين الطاقة بالبطاريات، ما يعكس انتقال القطاع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي على نطاق واسع.

وأضاف «أن الجدوى الاقتصادية للاستثمار في الطاقة المتجددة في المملكة تستند إلى عدة مزايا تنافسية، في مقدمتها المورد الطبيعي، إذ تتمتع المملكة بمعدلات مرتفعة من الإشعاع الشمسي، ومساحات شاسعة يمكن استثمارها في إنشاء المشروعات، فضلًا عن وجود مواقع متميزة لطاقة الرياح، خصوصًا في مناطق شمال المملكة وغيرها، وهو ما انعكس على تحقيق أسعار تنافسية في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة».

وأكد أن أهمية الطاقة المتجددة بالنسبة للاقتصاد السعودي لا تقتصر على الجانب البيئي أو خفض الانبعاثات، بل تحمل بعدًا اقتصاديًا مهمًا، موضحًا أن كل كمية من النفط أو الغاز يتم توفيرها من الاستخدام المحلي في إنتاج الكهرباء يمكن توجيهها إلى استخدامات ذات قيمة اقتصادية وعوائد أعلى.

وقال د. القحطاني: «لا أنظر إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح باعتبارهما منافستين للنفط، بل إنهما تعززان اقتصاديات النفط والغاز؛ فعندما نستخدم المصادر المتجددة لتلبية جانب من احتياجاتنا المحلية من الكهرباء، فإن ذلك يتيح الاستفادة من موارد النفط والغاز في مجالات تحقق قيمة اقتصادية أكبر وعوائد أعلى للمملكة».

وأشار إلى أن الميزة الأخرى التي تعزز فرص الاستثمار تتمثل في النمو الكبير المتوقع للطلب على الكهرباء، خصوصًا مع توسع المملكة في مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي والصناعات الجديدة وتحلية المياه والسيارات الكهربائية والهيدروجين، وهي قطاعات تحتاج إلى قدرات كهربائية متزايدة، ما يجعل الاستثمار في إنتاج الطاقة ومشروعاتها المساندة أحد المجالات الواعدة خلال المرحلة المقبلة.

ودعا القطاع الخاص ورجال الأعمال إلى الاستفادة من هذا التحول، وعدم حصر الاستثمار في القطاعات التقليدية، مشيرًا إلى إمكانية تشكيل تحالفات استثمارية بين رجال الأعمال للدخول في إنشاء وتطوير محطات الطاقة الشمسية والرياح، كما يحدث في المشروعات العقارية والاستثمارية الكبرى، موضحا أن الفرص المتاحة للقطاع الخاص لا تتوقف عند بناء المحطات الضخمة، بل تمتد إلى سلسلة القيمة المحيطة بالطاقة المتجددة، والتي يمكن أن تشكل سوقًا استثمارية كبيرة في المملكة خلال السنوات المقبلة.

وأضاف: «هناك فرص في تخزين الطاقة والبطاريات، وتركيب المحطات وصيانتها، وتقنيات التنظيف الآلي للألواح الشمسية التي تكتسب أهمية خاصة في البيئة الصحراوية، إضافة إلى تصنيع الهياكل والكابلات والمكونات محليًا، وتوفير حلول الطاقة الشمسية للمصانع والمستودعات والمزارع والفنادق، فضلًا عن محطات شحن المركبات الكهربائية».

ولفت إلى أن استثمار الدولة بمليارات الريالات في مشروعات الطاقة الكبرى يخلق بدوره سلسلة واسعة من الفرص الاستثمارية المساندة التي يستطيع القطاع الخاص الدخول فيها، بما يعزز المحتوى المحلي، ويحفز تأسيس شركات متخصصة، ويوطن التقنيات والخدمات، ويوفر وظائف نوعية في مجالات الهندسة والتشغيل والصيانة والتصنيع والتقنيات الحديثة.

وأشار إلى أن ما يحدث في المملكة يأتي بالتزامن مع تحول عالمي واسع في قطاع الطاقة، لافتًا إلى تقديرات وكالة الطاقة الدولية التي تشير إلى وصول استثمارات الطاقة عالميًا خلال عام 2025 إلى نحو 3.3 تريليون دولار، ذهب منها نحو 2.2 تريليون دولار إلى تقنيات الطاقة النظيفة، بما يشمل الطاقة المتجددة والشبكات والتخزين وكفاءة الطاقة والكهرباء وتقنيات خفض الانبعاثات، وهو ما يعكس حجم التحول الذي تشهده الأسواق العالمية.

وأكد أن هذه التحولات تفتح أمام المملكة فرصة أكبر من مجرد إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، إذ يمكن البناء على حجم المشروعات والاستثمارات الحالية لتوطين الصناعات والتقنيات المرتبطة بالقطاع، ومن ثم التوسع في تصدير المنتجات والخدمات والخبرات السعودية إلى الأسواق الإقليمية، مضيفا «إن المملكة تمتلك المقومات التي تؤهلها للتحول من مستثمر ومطور للطاقة المتجددة إلى مركز صناعي وتصديري لتقنياتها ومكوناتها وخدماتها في الشرق الأوسط وأفريقيا». وتابع «كما أحدثت طفرة النفط تحولًا اقتصاديًا كبيرًا في القرن العشرين، فإن المملكة أمام فرصة لصناعة طفرة جديدة في الطاقة خلال القرن الحادي والعشرين، مستفيدة من مواردها الطبيعية، وقوة استثماراتها، وموقعها وقدرتها على بناء صناعة تمتد آثارها إلى أسواق المنطقة وأفريقيا».



إقرأ المزيد