جريدة الرياض - 8/30/2026 2:59:00 AM - GMT (+3 )
المياه ليست خدمة عادية يمكن النظر إليها فقط من زاوية التشغيل أو تكلفة المشروع. في المملكة، المياه مورد استراتيجي يرتبط بالأمن المائي، وجودة الحياة، والنمو السكاني، والتوسع العمراني، والاستدامة المالية والبيئية. لذلك فإن قراءة تقرير الاستدامة لشركة المياه الوطنية لعام 2025 لا يجب أن تتوقف عند عدد المشاريع أو أطوال الشبكات، بل يجب أن تبحث عن سؤال أكبر: هل تتحول منظومة المياه من إدارة الطلب اليومي إلى إدارة مورد نادر بكفاءة طويلة الأجل؟
تقرير الشركة لعام 2025 يقدم صورة واسعة عن هذا التحول. فالشركة لم تعد تتحدث فقط عن ضخ المياه، ومعالجة الصرف الصحي، وتنفيذ الشبكات، بل أصبحت تربط أعمالها بالاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة، وتربط استراتيجيتها الجديدة 2026-2030 بالابتكار الرقمي والشراكات مع القطاع الخاص والتميز المؤسسي. ووفق التقرير، تستهدف الاستراتيجية الانتقال من مجرد تقديم خدمة إلى نموذج أكثر كفاءة واستدامة، يقوم على أربع ركائز وثلاثة ممكنات تضم 122 هدفاً فرعياً. هذا التحول مهم، لأن قطاع المياه في المملكة يواجه تحدياً مختلفاً عن كثير من الدول. النمو في المدن وزيادة السكان والتوسع في المشاريع الاقتصادية يعني ارتفاع الطلب على المياه، وفي المقابل تبقى تكلفة إنتاج المياه ونقلها وتوزيعها مرتفعة. ولذلك فإن نجاح الشركة لا يقاس فقط بزيادة الكميات التي تضخها، بل بقدرتها على توصيل المياه بأقل فاقد ممكن، ورفع كفاءة الشبكات، وزيادة إعادة استخدام المياه المعالجة، وتحسين جودة الخدمة.
التغطية تتحسن..
ولكن المسافة ما زالت قائمة
من أهم الأرقام التي تظهر في التقرير ارتفاع نسبة تغطية خدمة المياه من 80.8% في عام 2024 إلى 84.9% في 2025. كما ارتفعت تغطية خدمات الصرف الصحي من 65.6% إلى 67.6%. ووصل عدد السكان المخدومين بالمياه إلى نحو 27.3 مليون نسمة، بينما ارتفعت أطوال شبكات المياه إلى نحو 134.7 ألف كيلومتر. هذه الأرقام تعكس توسعاً واضحاً، لكنها تكشف أيضاً حجم العمل المتبقي. وصول تغطية المياه إلى 84.9% يعني أن الوصول الكامل للخدمة لم يتحقق بعد، كما أن تغطية الصرف الصحي عند 67.6% تشير إلى وجود مساحة كبيرة للتوسع خلال السنوات المقبلة. ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى الاستثمارات الرأسمالية ليس باعتبارها إنفاقاً فقط، بل باعتبارها استثماراً طويل الأجل في البنية الأساسية. فكل شبكة مياه جديدة، وكل خزان، وكل محطة معالجة، يرفع القدرة المستقبلية للمدن على استيعاب النمو السكاني والعمراني. وفي نهاية 2025 بلغت محفظة مشاريع البنية التحتية لدى الشركة 714 مشروعاً رأسمالياً بتكلفة إجمالية بلغت 58.54 مليار ريال، موزعة على مشاريع المياه والصرف الصحي والخزن والمعالجة ومكونات أخرى في المنظومة. كما نفذت الشركة 73 مشروعاً لشبكات توزيع المياه بقيمة 6 مليارات ريال، أضافت أكثر من 3.7 ملايين متر طولي للشبكات، بينما يجري تنفيذ 283 مشروعاً إضافياً لشبكات المياه بتكلفة إجمالية تبلغ 18.39 مليار ريال. وفي الصرف الصحي، نفذت الشركة 38 مشروعاً بقيمة 2.24 مليار ريال، مع تنفيذ 224 مشروعاً إضافياً بتكلفة تقارب 18.57 مليار ريال. هذه ليست أرقاماً صغيرة. وهي توضح أن قطاع المياه يدخل مرحلة توسع رأسمالي كبير، لكن التحدي الحقيقي ليس تنفيذ المشروع فقط، بل التأكد من أن كل ريال ينفق يرفع كفاءة الخدمة ويقلل التكلفة المستقبلية.
3.76 مليارات متر مكعب..
هنا تبدأ معادلة الكفاءة
خلال عام 2025 بلغ إجمالي المياه الموزعة للمستفيدين نحو 3.76 مليارات متر مكعب. وفي المقابل تمت معالجة نحو 2.2 مليار متر مكعب من مياه الصرف الصحي، وبلغ حجم المياه المعاد استخدامها 514.5 مليون متر مكعب، بينما وصل معدل إعادة الاستخدام إلى 23.3%. هذه الأرقام تفتح واحداً من أهم ملفات الاستدامة في قطاع المياه: إعادة الاستخدام. المياه المعالجة ليست نفايات يجب التخلص منها، بل مورد اقتصادي يمكن استخدامه في الزراعة والتشجير وبعض الاستخدامات الصناعية والحضرية. وكل متر مكعب يعاد استخدامه يعني تقليل الضغط على مصادر المياه الأخرى، وتقليل الحاجة إلى إنتاج كميات إضافية مرتفعة التكلفة. لذلك فإن نسبة إعادة الاستخدام البالغة 23.3% يمكن النظر إليها من زاويتين. الأولى أنها تمثل قاعدة موجودة بالفعل يمكن البناء عليها، والثانية أنها تكشف أن هناك فرصة كبيرة لرفع النسبة مستقبلاً. وفي قطاع مثل المياه، الاستدامة الحقيقية تبدأ عندما تتحول منظومة الإنتاج والتوزيع والمعالجة إلى دورة متكاملة: مياه تنتج، وتوزع بكفاءة، ثم تجمع وتعالج، ثم تعاد إلى الاقتصاد مرة أخرى في استخدامات مناسبة.
الفاقد المائي.. المشروع الأرخص قد يكون داخل الشبكة
واحد من أهم المؤشرات في أي شركة مياه في العالم هو الفاقد المائي. فقبل التفكير في زيادة الإنتاج، يجب البحث عن المياه التي تنتج بالفعل لكنها لا تصل إلى العميل أو لا تسجل بصورة صحيحة. وتوضح الشركة في تقريرها أنها تعتمد منهجية لخفض الفاقد تقوم على أربعة محاور: الكشف عن التسربات، وإدارة مناطق القياس وضبط الضغوط، وتحسين إدارة العدادات، وتجديد البنية التحتية القديمة. كما تستخدم أدوات مثل الكشف الصوتي وتقنيات الأقمار الصناعية وأنظمة المراقبة الإلكترونية لضبط الشبكات واكتشاف التسربات غير الظاهرة. وهنا تظهر قاعدة اقتصادية مهمة: أحياناً يكون توفير متر مكعب من المياه المفقودة أرخص من إنتاج متر مكعب جديد. فعندما تنخفض التسربات، لا تستفيد الشركة فقط من زيادة الكمية المتاحة للبيع أو التوزيع، بل تنخفض أيضاً الحاجة إلى إنتاج وضخ كميات إضافية، وتقل تكاليف الطاقة والصيانة، ويتحسن الضغط داخل الشبكة. لهذا السبب يجب أن يكون الفاقد المائي من أهم المؤشرات التي يقاس بها أداء الشركة خلال السنوات المقبلة. بناء محطة جديدة يمكن رؤيته بسهولة، لكن إصلاح شبكة قديمة ورفع كفاءتها قد يكون أكثر قيمة اقتصادياً، حتى لو كان أقل ظهوراً إعلامياً.
الشراكة مع القطاع الخاص.. التحول من المقاولة إلى الأداء
من أكثر الجوانب اللافتة في التقرير نموذج عقود التشغيل والصيانة طويلة المدى لمحطات معالجة مياه الصرف الصحي، أو ما يعرف بعقود LTOM. الفكرة هنا ليست مجرد الاستعانة بالقطاع الخاص لتنفيذ الأعمال، بل ربط المقابل المالي بمؤشرات الأداء الفعلية. المقاول لا يحصل على المقابل لأنه موجود في المحطة فقط، بل لأنه يحقق مستويات محددة من التشغيل والجودة والكفاءة. ووفق التقرير، توسع البرنامج من 6 محطات إلى 24 محطة خلال عامين، وبلغ إجمالي قيمة العقود نحو 9.67 مليارات ريال، بطاقة استيعابية تتجاوز 4.13 ملايين متر مكعب يومياً. والأهم من حجم العقود هو أثرها على التكلفة. فقد انخفضت تعرفة معالجة المياه في بعض المحطات بنسب تتراوح بين 43% و55% مقارنة بالنماذج السابقة. ففي محطتي حدة وعرنة بمكة انخفضت تكلفة معالجة المتر المكعب من 0.51 ريال إلى 0.23 ريال، بانخفاض 55%. وفي الدمام انخفضت من 1.007 ريال إلى 0.57 ريال، بتراجع 43%. هذا النموذج يستحق الاهتمام، لأنه يقدم مثالاً واضحاً على أن التخصيص لا يعني فقط نقل التشغيل إلى شركة خاصة، بل إعادة تصميم العلاقة بين الحكومة والمشغل بحيث يصبح الأداء والجودة والتكلفة عناصر مترابطة. كما أن العقود تتضمن حوافز لخفض استهلاك الطاقة، ما يجعل المصلحة المالية للمقاول مرتبطة بتحسين الكفاءة البيئية. وهذه نقطة مهمة في تصميم العقود الحكومية؛ لأن أفضل العقود هي التي تجعل تحقيق المصلحة الاقتصادية للمشغل مرتبطاً بتحقيق مصلحة الجهة المالكة والمستفيد.
الاستدامة ليست بيئة فقط
كثيراً ما يتم اختصار الاستدامة في التشجير والانبعاثات والطاقة، لكن تقرير المياه الوطنية يتوسع إلى الجوانب الاجتماعية والبشرية. فقد بلغ عدد موظفي الشركة 9,748 موظفاً، ووصل معدل التوطين إلى نحو 95%. كما ارتفع عدد الموظفات إلى 331 موظفة، بينما ارتفع عدد القيادات النسائية من 10 قياديات في عام 2023 إلى 31 قيادية في 2025. وبحسب التقرير، تم تنفيذ أكثر من 282 ألف ساعة تدريبية من خلال 449 برنامجاً تطويرياً، بمتوسط بلغ نحو 28 ساعة تدريبية لكل موظف. هذه المؤشرات مهمة لأن ضخ عشرات المليارات في المشاريع لا يكفي إذا لم تتطور القدرات البشرية التي تدير تلك الأصول. الأصل الحقيقي في شركات الخدمات لا يقتصر على الأنابيب والمحطات والخزانات، بل يشمل المهندسين والفنيين والإداريين وأنظمة التشغيل والمعرفة المتراكمة داخل المؤسسة.
العميل هو الاختبار الأخير
كل هذه الاستثمارات لا تعني الكثير إذا لم يشعر المستفيد بتحسن الخدمة. التقرير يشير إلى وصول رضا العملاء إلى 69%، مع تحسن زمن حل الشكاوى من خمسة أيام إلى ثلاثة أيام. كما بلغ عدد المستخدمين النشطين لتطبيق الشركة نحو 3.28 ملايين مستخدم. نسبة رضا 69% تعني وجود تحسن، لكنها في الوقت نفسه توضح أن هناك مساحة واسعة للوصول إلى مستويات أعلى. وهذا ربما يكون من أكثر المؤشرات أهمية للمستقبل. الشركة قد تنجح في بناء آلاف الكيلومترات من الشبكات، لكنها في النهاية تحاسب من العميل على استمرارية المياه، وجودتها، وسرعة التعامل مع الانقطاعات والتسربات والفواتير والشكاوى. لذلك فإن التحول الرقمي يجب ألا يكون هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لخفض زمن الخدمة وزيادة الشفافية وتحسين تجربة العميل.
الالتزام البيئي يتحسن
في جانب آخر، حققت الشركة تحسناً واضحاً في المخالفات البيئية. فقد انخفض عدد المخالفات من 98 مخالفة في 2024 إلى 29 مخالفة في 2025، بتراجع يقارب 70%. كما انخفضت قيمة الغرامات من 3.44 ملايين ريال إلى 936 ألف ريال، أي بنحو 72%. هذا النوع من المؤشرات أكثر أهمية من الجوائز والشعارات، لأنه قابل للقياس. عندما تنخفض المخالفات والتسربات والغرامات، فهذا يعني أن أنظمة الرقابة الداخلية وإدارة العمليات بدأت تعطي نتائج عملية. لكن التقرير نفسه يضع ملاحظة مهمة مع كل المؤشرات الإيجابية، من المهم قراءة التقرير بعين تحليلية. الشركة أوضحت أن تقرير الاستدامة لعام 2025 لم يخضع في دورته الحالية لتأكيد خارجي مستقل، وإن كانت تعتزم الحصول مستقبلاً على تأكيد خارجي محدود لبعض مؤشرات الأداء وفق معايير دولية. كما أوضحت أن خروج بعض أصول التنقية من نطاق التقرير أثر في عدد من مؤشرات الطاقة والانبعاثات، وأن جزءاً من الانخفاض المسجل في بعض المؤشرات يعود إلى تغير نطاق التقرير وليس بالضرورة إلى انخفاض حقيقي في كثافة الانبعاثات. هذا الإفصاح يحسب للتقرير، لأنه يفرق بين التحسن التشغيلي الفعلي والتغير المحاسبي أو التنظيمي في حدود البيانات. المرحلة القادمة ربما تحتاج إلى خطوة إضافية، وهي زيادة التأكيد المستقل على بيانات الاستدامة، خصوصاً مع توسع حجم المشاريع والشراكات والاستثمارات. فكلما أصبحت مؤشرات الاستدامة جزءاً من تقييم الأداء واتخاذ القرار، ارتفعت أهمية التحقق المستقل من الأرقام.
المياه الوطنية
أمام مرحلة مختلفة
القراءة الأوسع لتقرير 2025 تقول إن شركة المياه الوطنية تتحرك من مرحلة بناء المنظومة إلى مرحلة رفع كفاءتها. خلال السنوات الماضية كان التحدي الأساسي هو توسيع الشبكات ورفع التغطية واستيعاب انتقال مسؤوليات قطاع التوزيع إلى الشركة. أما المرحلة المقبلة فستكون أصعب؛ لأنها تتعلق بالكفاءة وليس بالحجم فقط. المطلوب هو الوصول إلى نسبة تغطية أعلى، لكن مع خفض الفاقد. وزيادة المعالجة، لكن مع زيادة إعادة الاستخدام. وبناء مشاريع جديدة، لكن مع خفض تكلفة دورة حياة الأصل. وإشراك القطاع الخاص، لكن بعقود تربط الدفع بالأداء. وزيادة الرقمنة، لكن مع انعكاس واضح على رضا العميل. وهنا يتغير تعريف النجاح. النجاح لن يكون في كمية المياه التي تنتج فقط، بل في كمية المياه التي تصل فعلاً إلى المستفيد. ولن يكون في عدد المشاريع التي تنفذ، بل في العائد التشغيلي والخدمي الذي تحققه هذه المشاريع. ولن يكون في حجم الإنفاق الرأسمالي، بل في قدرة هذا الإنفاق على خفض التكلفة المستقبلية ورفع جودة الخدمة. وفي اقتصاد ينمو بسرعة، ومدن تتوسع، ومشاريع جديدة تزيد الطلب على المياه، فإن إدارة هذا المورد تصبح جزءاً من إدارة النمو الاقتصادي نفسه.
شركة المياه الوطنية لا تدير أنابيب ومحطات فقط، بل تدير واحداً من أكثر موارد المملكة حساسية وندرة. وكل تحسن في الفاقد، وكل متر مكعب يعاد استخدامه، وكل ريال يتم توفيره في تكلفة المعالجة، قد تكون قيمته الاقتصادية في المستقبل أكبر بكثير مما يظهر في الأرقام الحالية. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لاستراتيجية 2026-2030 لن يكون في حجم المبادرات التي تعلن، بل في ثلاثة مؤشرات بسيطة يمكن للجميع فهمها: كم ماء يصل إلى الناس؟ كم ماء نفقد؟ وكم تكلفنا كل وحدة من الخدمة؟ عندما تتحسن هذه المؤشرات معاً، يمكن القول إن الاستدامة تحولت فعلاً من تقرير سنوي إلى نموذج اقتصادي وتشغيلي مستدام.
إقرأ المزيد


