المملكة تعزز ريادتها في سلامة الأصول النفطية والغاز الطبيعي
جريدة الرياض -

شدد مختصون في إدارة سلامة الأصول والاختبارات غير الإتلافية على أن المملكة حققت تقدمًا لافتًا بمستويات عالمية في تقنيات فحص الأصول والمعدات العاملة في قطاع النفط والغاز، مدعومة باستثمارات كبيرة في التقنيات عالية الدقة وتأهيل الكفاءات البشرية، مؤكدين لـ"الرياض" أن هذا التطور أسهم في رفع موثوقية الأصول وتعزيز القدرة على اكتشاف العيوب ومراقبتها قبل تحولها إلى مخاطر تهدد سلامة المنشآت واستمرارية الإنتاج.

وأبان الخبراء أن الاستثمار المتقدم في سلامة الأصول يمثل خط دفاع اقتصاديًا مهمًا أمام الخسائر التي قد تصل في الحوادث الصناعية الكبرى إلى مليارات الريالات، نتيجة توقف الإنتاج أو تلف الأصول والمعدات وتكاليف الإصلاح والمعالجة، فضلًا عن التداعيات البيئية والخسائر البشرية المحتملة، مشيرين إلى أن تطور منظومة الفحص والوقاية وإدارة المخاطر في المملكة عزز مكانتها بين الدول المتقدمة في هذا المجال، وجعل التجربة السعودية نموذجًا في توظيف التقنية والخبرات البشرية لحماية الأصول الاستراتيجية واستدامة الإنتاج.

استثمارات ضخمة

وأكد م. محمد أبو فور المتخصص في الاختبارات غير الإتلافية وإدارة سلامة الأصول أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى منظومة الاختبارات غير الإتلافية (NDT) ينقل إدارة سلامة الأصول إلى مرحلة جديدة، لا تقتصر على اكتشاف الخلل، وإنما تمتد إلى تحليل البيانات ومراقبة تطور العيوب واستشراف مستوى خطورتها، بما يتيح اتخاذ القرار الهندسي في الوقت المناسب، ويحد من التوقفات غير المخطط لها والهدر المالي، ويحمي الأرواح والبيئة والاقتصاد الوطني.

وقال: "إن المملكة وصلت إلى مستويات متقدمة عالميًا في هذا المجال، مستفيدة من الاستثمار المستمر في أجهزة الفحص عالية الدقة والتقنيات الحديثة، إلى جانب الاستثمار في العنصر البشري وتأهيل المتخصصين"، مضيفا "إن المنشآت والشركات العاملة في القطاعات النفطية والصناعية وغيرها تولي سلامة الأصول أهمية متقدمة، وتستفيد من أحدث الأجهزة والتقنيات المتوافرة عالميًا، بالتزامن مع تطوير الكفاءات القادرة على تشغيلها وتحليل بياناتها وتحويل نتائجها إلى قرارات هندسية".

وأوضح أبو فور، الذي تمتد خبرته المهنية في المجال إلى لنحو 40 عامًا، أن تجربته أتاحت له متابعة التحول الكبير الذي شهدته المملكة في تقنيات الفحص، بدءًا من الأجهزة والأساليب التقليدية وصولًا إلى الأنظمة الرقمية الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن اهتمام القيادات التنفيذية في الشركات بالاستثمار في الأجهزة والكفاءات البشرية أسهم في تعزيز مستويات السلامة والوقاية، مؤكدًا أن امتلاك التقنية وحده لا يكفي، وأن الاستثمار في الإنسان والخبرة يمثل جزءًا أساسيًا من نجاح منظومة سلامة الأصول.

حماية الاقتصاد

وشدد على أن القيمة الاقتصادية للاختبارات غير الإتلافية تتجاوز خفض تكاليف الصيانة، إذ ترتبط بصورة مباشرة باستمرارية الإنتاج وحماية الاستثمارات وتجنب التوقفات المفاجئة والحوادث الصناعية، وقال: "إن وقوع خلل كبير في منشأة نفطية أو صناعية قد لا يقتصر أثره على تلف معدة بعينها، بل يمكن أن يمتد إلى توقف الإنتاج واندلاع الحرائق أو حدوث التسربات والانفجارات، وما قد يصاحب ذلك من خسائر بشرية وأضرار بيئية وتكاليف اقتصادية كبيرة، وهو ما نشده في بعض دول العالم"، مضيفا "إن المعلومات الدقيقة التي توفرها عمليات الفحص تمنح المسؤولين القدرة على اتخاذ القرار الهندسي المناسب قبل تفاقم المشكلة"، موضحًا أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات تكمن في منع الخسارة قبل وقوعها، وليس فقط التعامل مع نتائج الحادث بعد حدوثه.

وأشار إلى أن نتائج الفحص قد تكشف وجود عيب يستوجب التدخل الفوري وإيقاف المعدة، بينما قد يثبت التقييم الهندسي في حالة أخرى أن العيب لا يمثل خطرًا مباشرًا، ويمكن مراقبته والتخطيط لمعالجته لاحقًا دون اللجوء إلى توقف غير ضروري للإنتاج، مؤكدا أن القدرة على التمييز بين مستويات المخاطر تحقق قيمة اقتصادية كبيرة للمنشآت، إذ تساعد على تحقيق التوازن بين متطلبات السلامة واستمرارية الأعمال، وتوجيه الإنفاق والصيانة إلى الأصول الأكثر احتياجًا.

استباق المخاطر

وأوضح أبو فور أن فلسفة الاختبارات غير الإتلافية شهدت تحولًا جوهريًا خلال العقود الماضية، إذ كان التركيز في البدايات منصبًا على البحث عن المشكلة وتحديد موقعها، فيما أصبحت المنظومة اليوم أكثر قدرة على اكتشاف العيب ومراقبة تطوره وتحديد مدى خطورته على استمرار تشغيل المعدة أو المنشأة، مضيفا "في السابق كان التركيز على العثور على المشكلة وتحديد موقعها، أما اليوم فنكتشف المشكلة ونراقبها ونحدد مدى خطورتها على تشغيل المنشأة، أما اليوم ومع دخول الذكاء الاصطناعي فإنه يضيف قدرة أكبر على معالجة كميات ضخمة من بيانات الفحص، وتحديد المواقع والمؤشرات التي تستدعي اهتمام الخبير، بما يختصر الوقت اللازم للتحليل ويرفع كفاءة عمليات الفحص".

وأشار إلى أن أعمالًا تحليلية كانت تتطلب ساعات طويلة، ويمكن أن تستغرق مددًا أكبر عند التعامل مع كميات كبيرة من البيانات، بات بالإمكان إنجاز جانب كبير منها خلال فترات أقصر باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ما يمنح المختص وقتًا أكبر للتقييم واتخاذ القرار. وتابع "رغم الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي، إلا أن التقنية لا تزال حديثة نسبيًا في بعض تطبيقات الاختبارات غير الإتلافية، وأنها تمثل أداة مساندة للخبير وليست بديلًا عنه، وقال: "الذكاء الاصطناعي يساعدني ويشير إلى المنطقة التي قد توجد فيها مشكلة، لكن الكلمة الأخيرة للخبير الذي يراجع المؤشرات ويتحقق من النتائج وفق خبرته والمعايير الهندسية المعتمدة قبل اتخاذ القرار، سواء باستمرار تشغيل الأصل أو مراقبته أو صيانته أو استبداله"، مؤكدا أن التكامل بين الخبرة البشرية والذكاء الاصطناعي يمثل الاتجاه الأكثر أهمية مستقبلًا، إذ تجمع المنظومة بين قدرة التقنية على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات وقدرة الخبير على تفسيرها وفهم ظروف التشغيل واتخاذ القرار الهندسي النهائي.

كفاءات المملكة

وعن مشاركاته الدولية، قال أبو فور إنه شارك في مؤتمر ICENDE 2026 بمدينة تشيناي الهندية، مقدمًا كلمة رئيسية (Keynote) في مجال الاختبارات غير الإتلافية، ضمن مشاركاته المتخصصة الهادفة إلى تبادل الخبرات ومناقشة أحدث التطورات والتقنيات المرتبطة بسلامة الأصول والفحوصات الهندسية، مشيرا إلى أن تجربته التطوعية مع الجمعية الأمريكية للاختبارات غير الإتلافية (ASNT) التي أسهمت في توسيع شبكة علاقاته المهنية دوليًا وتبادل المعرفة مع متخصصين من دول مختلفة، معتبرًا أن مشاركة المعرفة والخبرات تسهم في تطوير القطاع ورفع كفاءة العاملين فيه، مشددا على أن وجود الكفاءات الوطنية في المحافل الدولية يعد أمرا مهما يظهر قدرات تلك الكفاءات التي نمت خبرتها داخل الوطن وهذا يشير بوضوح لتقدم المملكة في هذا المجال عالميا.

سلامة الاصول

ورأى أن أن مستقبل إدارة سلامة الأصول سيتجه بصورة أكبر نحو توظيف البيانات والتقنيات الذكية في استباق المخاطر وتحديد أولويات الصيانة والاستثمار، بحيث لا تكون عمليات الفحص مجرد وسيلة للعثور على العيوب، وإنما جزءًا من منظومة متكاملة لصناعة القرار، مؤكدا أن الوصول إلى معلومات دقيقة بشأن الحالة الفعلية للأصل يمنح المنشأة خيارات أكثر دقة؛ فقد يكون القرار التدخل الفوري، أو استمرار التشغيل مع المراقبة، أو تنفيذ الصيانة في موعد مخطط، أو تمديد عمر الأصل عندما تسمح حالته الفنية بذلك، مشددا على أن الغاية النهائية تتمثل في الوصول إلى القرار الهندسي السليم الذي يحمي الإنسان والبيئة والأصول والإنتاج والاقتصاد.



إقرأ المزيد