شركات الرعاية الصحية.. من يكبر ومن يربح بكفاءة؟
جريدة الرياض -

تكشف نتائج شركات الرعاية الصحية في النصف الأول من 2026 أن القطاع لا يتحرك بسرعة واحدة. هناك شركات تتوسع بقوة وتحقق نمواً في الإيرادات، لكن تكاليفها والديون تستهلك جانباً من هذا النمو. وفي المقابل، توجد شركات أقل حجماً لكنها تحقق هوامش ربح أعلى وتدفقات نقدية أفضل. لذلك لا تكفي مقارنة صافي الأرباح وحده. القراءة الأوضح تحتاج إلى أربعة مؤشرات: حجم النشاط، هامش الربح التشغيلي، مستوى المديونية، وقدرة الأرباح على التحول إلى نقد. وبناءً على الحجم والأصول والحضور التشغيلي، وليس باعتباره ترتيباً استثمارياً للأسهم، يمكن قراءة الشركات كالتالي:

سليمان الحبيب.. اللاعب الأكبر بفارق واضح

تأتي مجموعة سليمان الحبيب في مقدمة الشركات التي شملها التحليل من حيث الحجم. بلغت إيرادات النصف الأول نحو 7.44 مليار ريال، وبلغت أصول المجموعة نحو 24.7 مليار ريال، وهي أرقام تضعها في مستوى مختلف عن بقية الشركات محل المقارنة. الأهم أن الحجم لا يأتي على حساب الكفاءة بصورة كبيرة؛ فهامش الربح التشغيلي بلغ نحو 18.2%، وهامش صافي الربح نحو 16.4%. كما أن التدفق التشغيلي يعادل قرابة 1.5 مرة صافي الربح، وهي علامة جيدة على جودة الأرباح. نقطة المراقبة الرئيسية هي ارتفاع المطلوبات، مع نسبة مطلوبات إلى حقوق ملكية تقارب 1.79 مرة. الحبيب تجمع حالياً بين الحجم والربحية والتدفق النقدي، وهذا ما يجعلها الأكثر تأثيراً في القطاع.

 

دله الصحية.. توسع كبير لكن الهوامش تحتاج إلى حماية

دله أصبحت من أكبر الكيانات في القطاع بعد التوسع والاستحواذات. إيرادات النصف الأول تجاوزت 2.12 مليار ريال، ومجمل الربح بلغ نحو 721 مليون ريال. لكن النسب تكشف صورة أقل قوة من نمو الحجم؛ فهامش التشغيل يقارب 12.7% وهامش صافي الربح نحو 8.8%. كما أن نسبة المطلوبات إلى حقوق الملكية وصلت إلى نحو 1.30 مرة، بينما لا يغطي التدفق التشغيلي سوى نحو 54% من صافي الربح. التحدي أمام دله واضح: التوسع يجب أن يتحول إلى هوامش أفضل. زيادة الإيرادات وحدها لن تكون كافية إذا استمرت تكلفة التمويل والمصاريف والتحصيل في الضغط على الأرباح.

 

المواساة.. الأعلى كفاءة في التشغيل

إذا كانت الحبيب الأولى في الحجم، فإن المواساة تبرز في الكفاءة. حققت إيرادات بنحو 1.71 مليار ريال ومجمل ربح يقارب 699 مليون ريال، كما بلغت الأصول نحو 6.62 مليار ريال. هامش الربح التشغيلي بلغ 25.5%، وهو الأعلى بين الشركات التي شملها التحليل، فيما بلغ هامش صافي الربح نحو 25%. كما أن المديونية معتدلة، إذ تبلغ المطلوبات نحو 0.61 مرة حقوق الملكية. لكن هناك ملف لا يمكن تجاهله، وهو رأس المال العامل. فقد تراجع النقد بشكل واضح وارتفعت الذمم المدينة، بينما بلغ التدفق التشغيلي 321.5 مليون ريال. المواساة تقدم نموذجاً قوياً في الربحية، لكن تحسين التحصيل سيجعل جودة هذه النتائج أعلى.

 

السعودي الألماني.. تدفقات قوية يقابلها ضغط على الربحية

السعودي الألماني من الشركات الكبيرة ذات الحضور التشغيلي الواسع، لكن نتائج النصف الأول 2026 تعكس تناقضاً واضحاً. صافي الربح بلغ نحو 69.2 مليون ريال مقابل 191.3 مليون في الفترة المقابلة، كما تراجع ربح العمليات إلى نحو 178.7 مليون ريال. هامش التشغيل لا يتجاوز 11.1%، وهامش صافي الربح نحو 4.3%، بينما تعد نسبة المطلوبات إلى حقوق الملكية عند 2.23 مرة من الأعلى بين شركات المقارنة. في المقابل، التدفقات النقدية التشغيلية كانت قوية مقارنة بالربح، وهو عامل إيجابي. لكن تبقى هناك ملاحظة مهمة تتعلق بجودة المقارنة، بسبب إعادة عرض بعض أرقام الفترات السابقة. الشركة تحتاج إلى استعادة الهوامش وخفض عبء التمويل حتى ينعكس حجم نشاطها بصورة أفضل على الربحية.

 

 فقيه الطبية.. حجم جيد لكن الربحية هي نقطة الضعف

بلغت إيرادات فقيه الطبية في النصف الأول نحو 1.52 مليار ريال، بينما بلغ الربح التشغيلي 114.3 مليون ريال وصافي الربح نحو 80.3 مليون ريال. هامش التشغيل البالغ 7.5% هو الأدنى بين الشركات التي حللناها، وهامش صافي الربح عند 5.3% أيضاً منخفض مقارنة بحجم النشاط. المركز المالي أفضل نسبياً؛ فنسبة المطلوبات إلى حقوق الملكية تقارب 0.69 مرة والسيولة عند مستويات مقبولة. لكن المشكلة الأوضح تظهر في التدفقات، فمعدل تحويل الربح إلى تدفق تشغيلي كان ضعيفاً جداً خلال الفترة. فقيه تحتاج أساساً إلى رفع كفاءة التشغيل وتسريع التحصيل، وليس مجرد زيادة الإيرادات.

 

رعاية.. هوامش ممتازة لكن النقد يرسل إشارة مختلفة

رعاية من الشركات التي تظهر بشكل قوي عند قراءة قائمة الدخل. هامش الربح التشغيلي بلغ نحو 20.1%، وهامش صافي الربح نحو 17.3%، وهي من أفضل مستويات القطاع. كما أن السيولة المحاسبية مرتفعة جداً، ونسبة التداول تقارب خمس مرات. لكن الصورة تختلف عند الانتقال إلى التدفقات النقدية، حيث تحول التدفق التشغيلي في النصف الأول إلى السالب رغم تحقيق أرباح. وفي الوقت نفسه ارتفعت القروض طويلة الأجل من نحو 346 مليون إلى 491 مليون ريال، كما قفزت الالتزامات الرأسمالية المتعاقد عليها إلى نحو 375 مليون ريال. الرسالة هنا واضحة: الربحية قوية، لكن الشركة تحتاج إلى تحويل الأرباح إلى نقد قبل توسع أكبر في الدين.

 

الموسى الصحية.. نمو كبير تموله المديونية

الموسى في مرحلة توسع واضحة. ارتفعت أصولها بصورة قوية، بينما قفزت المطلوبات إلى أكثر من ملياري ريال. الإيرادات بلغت نحو 754 مليون ريال، والربح التشغيلي نحو 92.3 مليون ريال، وصافي الربح بلغ نحو 62 مليون ريال. كما أن هامش التشغيل عند 12.2%. الإشارة الأهم تأتي من النقد؛ فقد سجلت الشركة تدفقاً تشغيلياً سالباً، مقابل إنفاق كبير على الممتلكات والمعدات تجاوز 516 مليون ريال، وتم تمويل جانب مهم منه بقروض جديدة. الموسى لديها قصة نمو، لكنها في الوقت نفسه قصة توسع رأسمالي يحتاج إلى إدارة دقيقة للدين والسيولة.

 

الحمادي.. ميزانية قوية وربحية مرتفعة

الحمادي تقدم واحدة من أكثر الصور توازناً. الإيرادات في النصف الأول بلغت نحو 641 مليون ريال، وصافي الربح نحو 128 مليون ريال. هامش التشغيل يصل إلى نحو 19.1% وهامش صافي الربح إلى قرابة 20%. والأهم أن نسبة المطلوبات إلى حقوق الملكية تبلغ نحو 0.40 مرة فقط، وهي من الأقل في المجموعة. الحمادي ليست الأكبر حجماً، لكنها من الشركات التي تجمع بين ربحية جيدة ورافعة مالية منخفضة، وهذا يمنحها مرونة أكبر إذا أرادت التوسع مستقبلاً.

 

الطبية التخصصية.. تحسن تشغيلي وتدفقات ممتازة

الطبية التخصصية حققت صافي ربح بلغ نحو 77.7 مليون ريال، مقابل 66 مليون ريال في الفترة المقابلة، وارتفع الربح التشغيلي إلى نحو 96.6 مليون ريال. الأبرز هو التدفق التشغيلي، الذي بلغ 151.6 مليون ريال، أي ما يقارب ضعفي صافي الربح. وهذه من أفضل نسب تحويل الأرباح إلى نقد في المجموعة. في المقابل، نسبة التداول حول مرة واحدة فقط، والمطلوبات إلى حقوق الملكية تقارب 1.31 مرة. لذلك تبرز الشركة بقوة في جودة الأرباح النقدية أكثر من قوة السيولة الظاهرة.

 

المركز الكندي الطبي.. سيولة عالية لكن الحجم ما زال محدوداً

المركز الكندي هو الأصغر بين الشركات التي شملها التحليل. بلغت أصوله نحو 137 مليون ريال فقط، لكنه يمتلك مركزاً مالياً مريحاً، مع نسبة تداول تتجاوز 3.6 مرات ومطلوبات منخفضة مقارنة بحقوق الملكية. الإيرادات في النصف الأول بلغت نحو 76.7 مليون ريال وصافي الربح 6.5 مليون ريال، بينما بلغ هامش التشغيل نحو 11.3%.المشكلة الأساسية هي التدفق التشغيلي الضعيف وارتفاع اعتماد الأصول المتداولة على الذمم المدينة، إضافة إلى وجود تركّز ملحوظ في أحد العملاء.

 

الخلاصة.. ثلاث مدارس داخل قطاع واحد

نتائج النصف الأول تكشف عن ثلاثة نماذج داخل قطاع الرعاية الصحية. الأول تقوده سليمان الحبيب، حيث الحجم الكبير مع ربحية وتدفقات قوية. والثاني تمثله المواساة والحمادي، حيث الكفاءة والهوامش المرتفعة والميزانية الأكثر راحة. أما النموذج الثالث فيضم الشركات التي تمر بمراحل توسع أكبر، مثل دله والموسى ورعاية، حيث يصبح السؤال الأهم ليس حجم الإيرادات فقط، بل تكلفة هذا النمو وكيفية تمويله. وفي النهاية، أهم رقم يجب مراقبته في النصف الثاني ليس صافي الربح وحده، بل هامش الربح التشغيلي والتدفق النقدي التشغيلي معاً. فالشركة الأفضل ليست التي تسجل أرباحاً محاسبية أعلى فقط، بل التي تستطيع تحقيق هذه الأرباح بكفاءة وتحويلها إلى نقد دون تحميل ميزانيتها مستويات متزايدة من الدين.



إقرأ المزيد