جريدة الرياض - 9/9/2026 2:32:26 AM - GMT (+3 )
تستعد المملكة في 24 أكتوبر المقبل لاستضافة القمة الخليجية الأوروبية الثانية، في وقت تدخل فيه العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي مرحلة أكثر نضجًا، بعد أن تجاوزت المبادلات التقليدية في السلع والطاقة إلى شبكة واسعة من الاستثمارات والخدمات والتعاون التقني والصناعي.
وتنعقد القمة بعد عامين من اللقاء الأول الذي جمع قادة الجانبين في بروكسل، وسط مؤشرات اقتصادية تعكس حجم المصالح المشتركة؛ إذ بلغت تجارة السلع بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي نحو 165.6 مليار يورو في 2025، فيما وصل مجموع رصيدي الاستثمارات المباشرة المتبادلة إلى نحو 352.9 مليار يورو في 2024، إضافة إلى تجارة خدمات بقيمة84.4 مليار يورو.
وتضع هذه الأرقام القمة المقبلة أمام اختبار يتجاوز توسيع التجارة إلى بناء شراكات أعمق في الصناعة والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد، وتحويل التدفقات المالية والتجارية القائمة إلى مشروعات إنتاجية طويلة الأجل.
54 مليار يورو فائض أوروبي
وتظهر أحدث البيانات أن الاتحاد الأوروبي صدّر إلى دول مجلس التعاون سلعًا بقيمة تقارب 110 مليارات يورو خلال العام الماضي، مقابل واردات خليجية بلغت نحو 55.6 مليار يورو، ما منح الجانب الأوروبي فائضًا تجاريًا يقارب 54.4 مليار يورو.
وخلال عشرة أعوام ارتفع حجم تجارة السلع بين الطرفين بنحو 30 %، فيما زادت واردات الاتحاد الأوروبي من دول الخليج بنحو 54 %، مقابل نمو صادراته إلى المنطقة بنحو 20 %.
ويعد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون، مستحوذًا على نحو 10.9 % من تجارتها السلعية مع العالم، فيما يحتل المجلس المرتبة السادسة بين أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد.
وتعكس تركيبة المبادلات حجم التكامل بين الاقتصادين؛ إذ تستورد أوروبا من الخليج بصورة رئيسة الطاقة والمنتجات التعدينية، بينما تتركز الصادرات الأوروبية إلى دول المجلس في السلع الصناعية والرأسمالية، وعلى رأسها الآلات والأجهزة بقيمة 32.2 مليار يورو، ومعدات النقل بنحو 18.3 مليار يورو، والمنتجات الكيميائية بما يقارب 16.1 مليار يورو.
هذه الأرقام تشير إلى أن العلاقة تتجاوز بيع النفط وشراء السلع، وترتبط بصورة متزايدة بمشروعات البنية التحتية والتصنيع والنقل والتحول الاقتصادي في المنطقة.
الخدمات تنمو أسرع من السلع
ويبرز قطاع الخدمات باعتباره أحد أسرع مكونات العلاقة نموًا، بعدما بلغت التجارة الخليجية الأوروبية في هذا القطاع 84.4 مليار يورو في 2024.
واستحوذت صادرات الخدمات الأوروبية إلى دول المجلس على 56.2 مليار يورو، مقابل 28.2 مليار يورو خدمات استوردها الاتحاد من الخليج.
والأهم أن تجارة الخدمات سجلت نموًا بنحو 119 % خلال عشر سنوات، وهو ما يعكس توسع الروابط الاقتصادية في مجالات الاستشارات والهندسة والخدمات المالية والنقل والسياحة والاتصالات والتقنية.
ومع تسارع برامج التنويع الاقتصادي الخليجية، مرشح أن يزداد وزن هذه القطاعات في السنوات المقبلة، خصوصًا في ظل توسع الإنفاق على الخدمات الرقمية، والسياحة، واللوجستيات، والصحة، والتقنيات المتقدمة.
353 مليار يورو استثمارات متبادلة
أما الاستثمار المباشر، فيمثل أحد أبرز مؤشرات عمق العلاقة بين الجانبين.
وبلغ رصيد الاستثمارات الأوروبية المباشرة في دول مجلس التعاون نحو 163.1 مليار يورو في 2024، فيما وصل رصيد الاستثمارات الخليجية داخل الاتحاد الأوروبي إلى 189.8 مليار يورو.
وبذلك تتجاوز الاستثمارات الخليجية في أوروبا نظيرتها الأوروبية في دول المجلس بنحو 26.7 مليار يورو.
ويمنح هذا الحجم من رؤوس الأموال القمة المقبلة أهمية إضافية؛ إذ لم يعد التحدي في زيادة الاستثمارات من حيث القيمة فقط، بل في توجيهها نحو التصنيع المشترك ونقل التقنية والبحث والتطوير ومراكز البيانات والطاقة الجديدة والصناعات النوعية.
التجارة الحرة تعود إلى دائرة الاهتمام
ومن المنتظر أن يحضر ملف التجارة الحرة بقوة ضمن المسار الاقتصادي الموازي للقمة.
فالمفاوضات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون، التي بدأت قبل أكثر من ثلاثة عقود وتوقفت في 2008، عادت خلال 2026 إلى دائرة البحث من خلال محادثات استكشافية ومسارات تفاوضية أكثر مرونة.
وأطلقت المفوضية الأوروبية في يونيو الماضي مشاورات لتقييم الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لاتفاقات تجارية محتملة مع دول المجلس، وتستمر حتى 19 أكتوبر، أي قبل القمة بخمسة أيام.
ورغم أن الوصول إلى اتفاق شامل لا يزال يحتاج إلى تفاهمات في ملفات تنظيمية وتجارية متعددة، فإن أي تقدم سياسي خلال القمة قد يمنح الملف دفعة جديدة، سواء عبر مسار جماعي مع مجلس التعاون أو اتفاقات ثنائية أكثر مرونة.
الطاقة تتحول من مورد إلى شراكة
وتظل الطاقة ركيزة أساسية في العلاقات الخليجية الأوروبية، لكن طبيعة التعاون تتجه إلى التوسع.
فإلى جانب النفط والغاز، باتت ملفات الهيدروجين والطاقة المتجددة والوقود منخفض الانبعاثات وشبكات الكهرباء والمعادن المهمة في قلب الاهتمام المشترك.
وتسعى أوروبا إلى تعزيز أمن إمداداتها وتنويع مصادر الطاقة، بينما تعمل دول الخليج على تثبيت موقعها في أسواق الطاقة المستقبلية من خلال الاستثمار في الهيدروجين والأمونيا منخفضة الانبعاثات والطاقة الشمسية والرياح.
ويفتح هذا التوجه الباب أمام استثمارات طويلة الأجل تشمل الإنتاج والتصدير والموانئ ومرافق التخزين والنقل، بدل اقتصار العلاقة على تدفقات الطاقة التقليدية.
الذكاء الاصطناعي يفتح مسارًا جديدًا
وفي موازاة الطاقة، يتقدم الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي كأحد أكثر مجالات التعاون المرشحة للنمو.
فدول الخليج توسع استثماراتها في مراكز البيانات والحوسبة والبنية الرقمية، بينما تمتلك أوروبا قاعدة صناعية وبحثية في عدد من التقنيات المتقدمة، إلى جانب خبرات واسعة في الأمن السيبراني والاتصالات والتطبيقات الصناعية.
ويمنح الجمع بين القدرة الاستثمارية الخليجية والخبرة التقنية الأوروبية مجالًا لبناء شراكات تتجاوز استيراد الحلول الجاهزة إلى تطويرها محليًا، وتأسيس مراكز للبحث والتطوير وربط الشركات الناشئة والمستثمرين بين المنطقتين.
السعودية تستحوذ على الحصة الأكبر
وتمنح استضافة المملكة القمة بعدًا اقتصاديًا خاصًا، نظرًا إلى مكانة الاقتصاد السعودي داخل مجلس التعاون.
وبلغت تجارة المملكة مع الاتحاد الأوروبي نحو 66.3 مليار يورو في 2025، مقابل 61.1 مليار يورو للإمارات، لتستحوذ الدولتان معًا على قرابة 77 % من إجمالي تجارة مجلس التعاون مع الاتحاد الأوروبي.
كما تستحوذ المملكة وحدها على أكثر من نصف الواردات الأوروبية من دول المجلس.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه المملكة تنفيذ مشروعات «رؤية السعودية 2030» في الصناعة والتعدين والسياحة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والصحة والتقنية، وهي قطاعات تمثل مجالات مباشرة لتوسيع حضور الشركات والاستثمارات الأوروبية.
من التجارة إلى الإنتاج المشترك
وتأتي القمة الثانية في لحظة مختلفة عن قمة بروكسل الأولى، التي ركزت بصورة أساسية على وضع الإطار السياسي للعلاقة.
أما القمة المقبلة، فإن قيمتها الاقتصادية ستقاس بقدرة الجانبين على ترجمة هذا الإطار إلى نتائج ملموسة.
وبين 165.6 مليار يورو من تجارة السلع، و84.4 مليار يورو من تجارة الخدمات، و352.9 مليار يورو من الاستثمارات المتبادلة، تمتلك العلاقة الخليجية الأوروبية قاعدة مالية وتجارية كبيرة بالفعل.
لكن المرحلة المقبلة ستتحدد بمدى قدرة الطرفين على توجيه هذه القاعدة نحو مصانع مشتركة، ومراكز تقنية، ومشروعات طاقة جديدة، وشبكات لوجستية أكثر كفاءة، وسلاسل قيمة تربط رأس المال الخليجي بالخبرة الصناعية والتكنولوجية الأوروبية.
ومن هنا تكتسب القمة الخليجية الأوروبية الثانية أهميتها؛ إذ لم يعد السؤال كم يتبادل الطرفان من السلع ورؤوس الأموال، بل كم يمكن أن يتحول من هذه التدفقات إلى اقتصاد مشترك أكثر إنتاجًا واستدامة وقدرة على المنافسة.
إقرأ المزيد


