جريدة الرياض - 9/13/2026 4:01:54 AM - GMT (+3 )
برغم إعلان وزارة الطاقة إغلاق خط أنابيب "شرق-غرب" كإجراء احترازي عقب هجمات متعددة يوم الخميس، إلا ان موثوقية إمدادات النفط السعودي للعالم لا تزال راسخة في استدامتها مع قوة التزام عملاقة الطاقة في العالم، شركة أرامكو السعودية بتعهداتها مع عملائها في مختلف أنحاء العالم وقدرتها على الإيفاء بحاج السوق معززة بمخزونات تجارية هائلة في العديد من المواقع الاستراتيجية لتخزين النفط السعودي في عدد من الدول وأهم مستهلكي النفط في العالم وأبرزها اليابان وكوريا الجنوبية والصين بطاقات تقارب 20 مليون برميل، فضلا عن مخزونات أرامكو في أوروبا.
تمتلك أرامكو السعودية شبكة واسعة من مرافق التخزين التجاري والاستراتيجي للنفط الخام خارج المملكة، تمثل جزءاً مهماً من استراتيجيتها لتعزيز مرونة الإمدادات والوصول السريع إلى الأسواق الرئيسية، ولا سيما الأسواق الآسيوية، وتكتسب هذه الشبكة أهمية أكبر في الظروف التي تتعرض فيها طرق التجارة البحرية لاضطرابات، كما يحدث الان في عام 2026 مع الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر.
وتظهر أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية أن أرامكو لديها ترتيبات تخزين رئيسية في اليابان وكوريا الجنوبية والصين وهولندا ومصر، فيما تستفيد أرامكو للتجارة من مراكز لوجستية وتخزين للمنتجات النفطية في مواقع أخرى، بينها الفجيرة في دولة الإمارات. ويجب التفريق بين السعة التي تخصص لأرامكو فعلياً وبين إجمالي سعة المنشأة التي توجد فيها أرامكو أو تتعامل معها تجارياً.
تأتي اليابان في مقدمة مراكز التخزين الخارجية لأرامكو، بإجمالي سعة مخصصة تبلغ نحو 11.2 مليون برميل، موزعة بين أوكيناوا وكييري، ففي أوكيناوا، تستأجر أرامكو خزانات من مؤسسة اليابان للنفط والغاز والمعادن، وتبلغ السعة المخصصة نحو 8.2 مليون برميل، ويتيح الموقع لأرامكو الاحتفاظ بالنفط بالقرب من الأسواق الآسيوية، بما يسمح بإعادة توجيهه وتسويقه بسرعة إلى دول منطقة المحيط الهادئ. وفي المقابل، تحصل اليابان على أولوية شراء النفط المخزن في حال حدوث نقص طارئ في الإمدادات.
وفي محطة كييري بمحافظة كاغوشيما، أضافت أرامكو نحو 3 ملايين برميل إلى منظومتها التخزينية في اليابان بموجب اتفاق مع شركة إينيوس، وتبلغ الطاقة الإجمالية لمحطة كييري أكثر من 46 مليون برميل، لكن الكمية المرتبطة بأرامكو تبلغ نحو 3 ملايين برميل، وهو ما يرفع إجمالي سعة أرامكو في اليابان إلى نحو 11.2 مليون برميل.
وتكتسب اليابان أهمية خاصة في هذه المنظومة، ليس فقط بسبب حجم التخزين، وإنما بسبب موقعها الجغرافي. فالمخزون الموجود في أوكيناوا وكييري أقرب إلى مراكز الطلب الرئيسية في شرق آسيا من النفط الموجود في الخليج، ما يمنح أرامكو مرونة أكبر في تلبية احتياجات العملاء.
وفي كوريا الجنوبية، تمتلك أرامكو ترتيباً تخزينياً مع شركة النفط الوطنية الكورية يتيح لها تخزين نحو 5.3 مليون برميل من الخام السعودي في مدينة أولسان، ويهدف الاتفاق إلى إنشاء نقطة إمداد قريبة من العملاء الآسيويين، بحيث تستطيع أرامكو استخدام الخام المخزن لتلبية الطلب التجاري بصورة أكثر مرونة.
كما يمكن استخدام المخزون في حالات الطوارئ وفق ترتيبات الاتفاق، وبإضافة كوريا الجنوبية إلى اليابان، تصل السعة التخزينية المرتبطة مباشرة بأرامكو في هذين السوقين الآسيويين إلى نحو 16.5 مليون برميل.
أما الصين، فتتمتع بأهمية مختلفة، نظراً إلى ارتباط التخزين باستثمارات أرامكو في قطاع التكرير والبتروكيماويات الصيني، وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن حصة أرامكو في شركة تشجيانغ للبتروكيماويات تشمل إمكانية الاستفادة من منشآت تخزين في تشوشان تبلغ طاقتها الإجمالية نحو 18.6 مليون برميل.
وتحتفظ أرامكو حالياً بنحو 6 ملايين برميل من هذه السعة، مع إمكانية استخدام السعات الفائضة لأغراض تجارية، وهذا يجعل الصين ثالث أكبر مركز تخزين خارجي معلن لأرامكو بعد اليابان وكوريا الجنوبية، ويربط التخزين مباشرة بأحد أهم أسواق النفط في العالم.
في أفريقيا، تبرز مصر كحالة مختلفة، إذ تستفيد أرامكو من منظومة سوميد باعتبارها مركزاً رئيسياً لتخزين ونقل الخام السعودي المتجه إلى أسواق البحر المتوسط وأوروبا. وتبلغ الطاقة التخزينية في محطة سيدي كرير على البحر المتوسط نحو 19.5 مليون برميل، فيما تبلغ الطاقة التخزينية في العين السخنة على البحر الأحمر نحو 18.4 مليون برميل.
سيدي كرير والعين السخنة
وبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية في مارس 2026، كان المخزون الموجود في كل من سيدي كرير والعين السخنة يبلغ نحو 11.7 مليون برميل في ذلك الوقت. وهذه الأرقام تمثل مخزونات المنظومة وليست كمية تقول أرامكو إنها مملوكة بالكامل لها، ولذلك ينبغي عدم جمعها مع السعات المباشرة لأرامكو باعتبارها «مخزون أرامكو».
وتزداد أهمية هذه المنظومة في الظروف الحالية، إذ تستطيع أرامكو نقل الخام من البحر الأحمر إلى العين السخنة، ثم عبر خط سوميد إلى سيدي كرير، ومن هناك تحميله على الناقلات المتجهة إلى أوروبا والبحر المتوسط، بما يوفر مساراً بديلاً لبعض الإمدادات التي كانت تمر عبر طرق بحرية أكثر تعرضاً للمخاطر. وقد استخدمت أرامكو بالفعل ميناء سيدي كرير كمسار بديل خلال اضطرابات 2026، مع تحويل بعض الشحنات من ينبع إلى العين السخنة ثم عبر خط سوميد إلى سيدي كرير قبل تصديرها.
وفي أوروبا، تمتلك أرامكو حصة تبلغ 16.7% في محطة نفط ماسفلاكتي في ميناء روتردام الهولندي، وهو أحد أهم مراكز تخزين وتداول النفط في أوروبا. ولا تتوافر في المصادر الرسمية كمية محددة يمكن نسبها مباشرة إلى أرامكو من المخزون الموجود في المحطة، ولذلك من غير الدقيق تحويل حصة أرامكو في الشركة المالكة إلى رقم مماثل من البراميل المخزنة لديها، إلا أن وجودها في محطة النفط الهولندية يوفر لأرامكو موقعاً استراتيجياً في أكبر مراكز تجارة النفط الأوروبية.
أما الفجيرة، فتحتاج إلى معالجة منفصلة. فأرامكو للتجارة لديها حضور قوي في المركز النفطي الإماراتي، وتستخدمه في أنشطة تجارة وتخزين ومزج المنتجات النفطية، كما افتتحت شركة أرامكو للتجارة مكتباً هناك لإدارة أنشطة التخزين والمزج. لكن لا توجد في المصادر المتاحة كمية معلنة يمكن وصفها بأنها «مخزون خام مملوك لأرامكو في الفجيرة»، ولذلك لا ينبغي إدخال السعة الإجمالية للفجيرة ضمن مخزونات أرامكو. وتبلغ الطاقة الإجمالية لمنطقة صناعة النفط في الفجيرة نحو 70 مليون برميل لمختلف المنتجات النفطية، بينما تبلغ طاقات أحد مشغلي التخزين الرئيسيين، فوباك هورايزن فجيرة، نحو 16.64 مليون متر مكعب. وهذه أرقام تخص المنشآت ككل وليست حصة أرامكو. وبناءً على الأرقام التي يمكن تحديدها بصورة مباشرة، فإن أرامكو لديها نحو 22.5 مليون برميل من السعات التخزينية المرتبطة بها في اليابان وكوريا الجنوبية والصين؛ منها 11.2 مليون برميل في اليابان، و5.3 مليون برميل في كوريا الجنوبية، و6 ملايين برميل في الصين.
وهذا الرقم لا يشمل مخزونات سوميد في مصر، ولا حصة أرامكو في محطة روتردام، ولا مرافق التخزين التجارية التي تستخدمها أرامكو للتجارة في مراكز مثل الفجيرة، لأن طبيعة الملكية أو الاستخدام مختلفة ولا توجد أرقام معلنة تسمح بإضافتها بصورة دقيقة.
وتظهر القيمة الحقيقية لهذه المنظومة عندما تتعرض حركة الناقلات للخطر. فوجود ملايين البراميل في مواقع قريبة من المستهلكين الآسيويين يمنح أرامكو قدرة على تقليل المسافة بين المخزون والعميل، وإعادة توزيع الإمدادات، واختيار توقيت البيع والتحميل، والتعامل مع الاضطرابات البحرية.
وفي المقابل، كشفت اضطرابات مضيق هرمز والبحر الأحمر خلال 2026 عن قيمة وجود أرامكو في مواقع خارج الخليج، إذ لجأت الشركة إلى ترتيبات شحن بديلة، بما فيها نقل بعض الخام عبر ينبع وسيدي كرير، كما عرضت شحنات للآسيويين من خارج مضيق هرمز عبر عمليات نقل من سفينة إلى سفينة قرب الفجيرة وسلطنة عمان.
في النهاية، تكشف شبكة أرامكو الخارجية أن مفهوم «المخزون التجاري» لديها يتجاوز مجرد تخزين النفط؛ فهو جزء من منظومة تسويق وإمداد عالمية مصممة لوضع الخام بالقرب من مراكز الطلب الرئيسية، تمثل منصات تجارية ولوجستية مهمة خارج الخليج العربي.
ومن منظور أوسع، فإن مخزونات أرامكو النفطية الاستراتيجية العالمية، تمنحها ميزة استراتيجية في مواجهة اضطرابات الممرات البحرية، لأنها لا تعتمد فقط على موقع الإنتاج داخل المملكة، بل تمتلك مخزونات ونقاط وصول إلى الأسواق المستهلكة نفسها. وهذا أحد العوامل التي تساعدها على المحافظة على مرونة إمداداتها، خصوصاً في آسيا التي تمثل السوق الرئيسية للخام السعودي.
إقرأ المزيد


