منتخب بلا ملامح.. ولسان الحال: من نحن؟
جريدة الرياض -

ليست الخسارة أمام مصر برباعية، ولا السقوط أمام صربيا بهدفين مقابل هدف، هي ما يثقل صدر المتابع السعودي اليوم، بل ذلك الإحساس الثقيل بأن منتخبنا يدخل اللحظة الأهم بلا ملامح، بلا يقين، وكأننا ما زلنا في أول الطريق، لا على أعتاب كأس عالم يفترض أن نصل إليه ونحن نعرف من نحن وكيف نلعب، في التوقف الدولي الأخير، كان المنتظر أن تتضح الصورة، أن نرى فريقًا يقترب من شكله النهائي، أن تُحسم الأسماء وتستقر الأدوار، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا، قائمة تتجاوز الخمسين لاعبًا، تقسيم إلى فريق (A) وآخر (B)، تجارب مفتوحة بلا سقف، وأسماء تدخل وتخرج بلا استقرار، حتى أصبح المشهد أقرب إلى معسكر تجارب منه إلى إعداد منتخب يستعد لبطولة كبرى.

هنا تحديدًا تبدأ المسؤولية، لأن المدرب هيرفي رينارد لم يعد يملك ترف الوقت، ولا رفاهية التوسّع، ما قام به قد يُفهم في مرحلة بناء طويلة، لكنه قبل المونديال بشهرين يبدو أقرب إلى التردد منه إلى الرؤية، لأن كثرة الخيارات في هذا التوقيت ليست قوة، بل ضباب يحيط بالفريق ويمنعه من التشكّل، أمام مصر، كانت الصورة صادمة، منتخب متأخر ذهنيًا قبل أن يتأخر في النتيجة، مساحات تُفتح بلا مقاومة، رد فعل بطيء، وتنظيم غائب، أربعة أهداف لم تكن حادثة عابرة، بل انعكاس مباشر لفريق لم يدخل المباراة أصلًا، فريق لا يعرف كيف يدافع، ولا كيف يخرج بالكرة، ولا حتى كيف يوقف الانهيار حين يبدأ، ثم جاءت مواجهة صربيا، التي حاول البعض أن يقرأها كتحسن، لكنها في حقيقتها لم تكن سوى نسخة أخف من نفس الخلل، منتخب يتراجع، يترك المبادرة، ويلعب بردة فعل لا بفعل، لا يفرض إيقاعه، ولا يخلق فرصه، بل ينتظر ما قد يأتيه، وكأن الهدف هو النجاة لا المنافسة، الفارق الوحيد أن النتيجة لم تتضخم، أما الأداء فبقي كما هو، بلا شخصية، بلا سيطرة، وبلا هوية، وهنا لا يمكن القفز فوق الحقيقة، لأن كرة القدم لا تخدع، قد تخفّ قسوة الأرقام، لكن الأداء يظل شاهدًا، والمنتخب في المباراتين لم يكن مجرد فريق خسر، بل فريق لم يُقنع، لم يُظهر ملامح، ولم يترك انطباعًا بأنه يعرف طريقه، الأخطر من كل ذلك هو غياب الهوية، فلا نحن منتخب يعرف كيف يدافع بثبات، ولا

لا يمكن القفز فوق حقيقة أن كرة القدم لا تخدع فالأداء يظل شاهداً

اختزال المشهد في المدرب وحده قراءة ناقصة فما يحدث هو نتيجة مسار إداري ممتد

المنتخب لا يحتاج إلى اكتشاف أسماء جديدة بل إلى تثبيت هوية

منتخب يجيد الاستحواذ بثقة، ولا حتى فريق يملك وضوحًا في التحولات، كل مباراة بفكرة، وكل تشكيلة بروح مختلفة، وكأننا نبدأ من الصفر في كل مرة، بلا خيط يربط ما بين الأمس واليوم، وهنا تعود الكرة إلى رينارد، لأن ما يحدث ليس تفصيلًا، بل جوهر العمل، المدرب الذي عاد وسط آمال كبيرة بإعادة الانضباط والشخصية، هو نفسه من فتح الباب على مصراعيه، وساهم في خلق هذا التشتت، حين تختار أكثر من خمسين لاعبًا في توقيت حساس، فأنت لا توسّع الخيارات، بل تهرب من الحسم، وحين تقسّم الفريق إلى مجموعتين، فأنت لا تبني عمقًا، بل تؤجل القرار الذي يجب أن يُتخذ الآن قبل الغد، لكن اختزال المشهد في المدرب وحده يظل قراءة ناقصة، لأن ما يحدث اليوم هو نتيجة مسار إداري ممتد، لا قرار فني معزول، منذ تولي ياسر المسحل رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم في عام 2019، والمنتخب الأول يعيش حالة من عدم الاستقرار الفني، تعدد في الأجهزة الفنية، تغيّر في التوجهات، وتذبذب في البناء، ما بين مراحل قصيرة لا تكتمل، ومشاريع تبدأ دون أن تُستكمل، خلال هذه السنوات، لم يتم تثبيت هوية واضحة للمنتخب، ولا تقديم نموذج لعب يمكن البناء عليه، بل ظل التغيير حاضرًا أكثر من الاستمرارية، وهو ما ينعكس اليوم بشكل مباشر على أرض الملعب، لأن المنتخب لا يُبنى قبل البطولات، بل عبر سنوات من العمل التراكمي الذي يُحسم فيه الخيار الفني ويُدعم إداريًا حتى النهاية، المنتخب لا يحتاج إلى اكتشاف أسماء جديدة، بل إلى تثبيت هوية، لا يحتاج إلى تجارب إضافية، بل إلى وضوح في الفكرة، لأن اللاعب حين يدخل الملعب وهو لا يعرف موقعه في الصورة الكبيرة، لا يمكن أن يعطيك استقرارًا داخل المباراة، وهذا ما رأيناه بوضوح، ارتباك في التمركز، بطء في التحولات، وتردد في القرار، الجمهور السعودي، بطبيعته، لا يطلب المستحيل، لكنه لا يقبل هذا التخبّط في التوقيت الأصعب، لأنه يرى أن ما قبل المونديال هو وقت الحسم، لا وقت التجريب، وقت تثبيت الأسماء، لا توسيع القائمة، وقت بناء الفريق، لا البحث عنه، اليوم، المطلوب ليس تغيير كل شيء، بل العكس تمامًا، تقليص الدائرة، اختيار قائمة واضحة، منحها الاستمرارية، والعمل على تفاصيلها حتى آخر يوم، لأن الفريق لا يُصنع في المؤتمرات، بل في الاستقرار، ولا يُبنى في الأسماء، بل في الانسجام، ما زال هناك وقت، نعم، لكنه وقت ضيق، لا يحتمل المزيد من الدوران، ولا يقبل المزيد من المجاملة، إما أن يحسم رينارد قراره ويقود المنتخب نحو شكل واضح يُقنع قبل أن ينافس، أو سندخل كأس العالم ونحن نحمل نفس السؤال الذي يلاحقنا اليوم، من هذا المنتخب، وكيف وصل إلى هنا دون أن يقدّم إجابة واحدة تطمئن الشارع.

المنتخب السعودي ب
الجوير أحد المواهب البارزة في المنتخب
رينارد
مباراة السعودية ومصر كشفت المستور
الأخضر ظهر بصورة جيدة أمام صربيا
طلال العضياني


إقرأ المزيد