جريدة الأنباء الكويتية - 4/6/2026 9:53:10 PM - GMT (+3 )

ياسر العيلة
يعرض حاليا في دور العرض السينمائي «سينسكيب» الفيلم المصري الكوميدي «برشامة»، من تأليف أحمد الزغبي وخالد وشيرين دياب، إخراج خالد دياب، وبطولة: هشام ماجد ومصطفى غريب وحاتم صلاح وريهام عبدالغفور وعارفة عبدالرسول وباسم سمرة وكمال أبورية، وغيرهم.
تدور أحداث الفيلم في إطار كوميدي ساخر داخل يوم واحد حاسم، هو يوم امتحان الثانوية العامة، حيث تتحول لجنة الامتحان إلى مسرح لفوضى غير متوقعة، وتبدأ القصة مع مجموعة من الطلاب الذين يدخلون الامتحان وهم تحت ضغط هائل من الأهل والمجتمع، وسط حالة من الفوضى والغش الجماعي، بل وتتصاعد الأحداث مع مواقف عبثية تصل إلى حد إخفاء واقعة وفاة مراقب اللجنة «كمال أبورية» داخل اللجنة طمعا في استكمال الغش.
يعتمد الفيلم على فكرة بسيطة لكنها خصبة دراميا: ماذا يحدث إذا انهارت المنظومة الأخلاقية داخل مكان يفترض أنه رمز للانضباط؟ الإجابة تأتي عبر سلسلة من المواقف الساخرة التي تمزج بين الكوميديا والمأساة، في قالب يمكن وصفه بـ «الكوميديا السوداء»، ومع تصاعد الأحداث، يكشف الفيلم بشكل ساخر عن حجم الضغوط الاجتماعية التي تدفع البعض للتخلي عن القيم، ليطرح سؤالا مهما: هل النجاح يستحق كل هذا؟
أهم ما يميز الفيلم هو اعتماده على كوميديا الموقف بدلا من الإفيهات السريعة فقط، حيث تنبع الضحكة من طبيعة الشخصيات وتناقضاتها داخل الأزمة، كما يحسب للعمل أنه يطرح قضية الغش في التعليم بشكل جريء، مسلطا الضوء على ضغوط المجتمع والأسرة التي تدفع البعض لتجاوز القيم كذلك، وينجح السيناريو في خلق حالة من التوتر الكوميدي المستمر، عبر لعبة «القط والفار» بين الطلاب والرقابة، ما يحافظ على إيقاع سريع وشائق دون ملل.
ومن نقاط القوة أيضا تنوع الشخصيات، حيث يقدم الفيلم نماذج متعددة من المجتمع، من الطالب المجتهد إلى المستهتر، ومن ولي الأمر المتواطئ إلى الباحث عن فرصة أخيرة، ما يمنح العمل بعدا إنسانيا إلى جانب طابعه الكوميدي.
في المجمل، يقدم «برشامة» نموذجا ناجحا للكوميديا الجماهيرية التي لا تكتفي بالإضحاك، بل تحاول ملامسة قضايا حقيقية بأسلوب ساخر، وقد لا يكون فيلما عميقا بالمعنى الفني الصارم، لكنه بلا شك عمل ذكي في مخاطبة الجمهور، وهو ما يفسر تصدره للإيرادات.
الفيلم استطاع أن يجمع بين الكوميديا الخفيفة والطرح الاجتماعي، مع الاعتماد على بطولة جماعية أعادت جزءا من روح السينما الكوميدية الكلاسيكية، مدعوما بأداء لافت من أبطاله، خاصة الثلاثي الكوميدي هشام ماجد في دور «عبدالحميد» الشاب الملتزم دينيا، ومصطفى غريب الذي يجسد دور «حليلة» ابن العمدة، وحاتم صلاح (حجاج) وهو سجين أتى للامتحان، فالثلاثة كانوا بمثابة العمود الفقري وكان بينهم تناغم غير عادي والكوميديا التي قدموها نابعة من التفاعل الجماعي بينهم وليس من الإفيه الفردي، هؤلاء النجوم ساهموا في منح الفيلم ثقلا دراميا وتوازنا فنيا عزز من قيمته كمشاهدة متكاملة، حيث يقدم هشام ماجد أداء سلسا يعتمد على خفة الظل الطبيعية، ومصطفى غريب من مفاجآت الفيلم، حيث يلفت الأنظار بحضور كوميدي قوي وتلقائية واضحة، وكان من أهم عوامل نجاح العمل، كذلك حاتم صلاح أضاف طاقة كوميدية مختلفة، بالإضافة إلى الحضور المميز لكل من باسم سمرة بدور «العمدة»، وكمال أبو رية «مراقب اللجنة»، وريهام عبدالغفور في شخصية «الراقصة فاتن»، والفنانة القديرة عارفة عبدالرسول «الحاجة إنعام»، ببساطة الفيلم لا يقدم ثورة فنية، لكنه يقدم وصفة ناجحة للضحك الذكي القابل للتسويق جماهيريا.
يؤخذ على الفيلم تناوله لبعض الجوانب الدينية داخل السياق الكوميدي بصورة تجاوزت حدود التناول المقبول، وجاءت في إطار ساخر قد يفهم على أنه استخفاف أو توظيف غير موفق للرمزية الدينية، وكان يجب عدم الاقتراب من هذه المساحات الحساسة بهذا الشكل وتقديم الفكرة نفسها بأسلوب أكثر توازنا واحتراما دون الإخلال بروح العمل، ومن السلبيات أيضا تقديمه لبيئة تعليمية شبه منهارة، يسودها التسيب الكامل، وغياب الرقابة، وانتشار الغش بشكل فوضوي مبالغ فيه وبشكل يسيء إلى صورة المؤسسات التعليمية، فالمعالجة الدرامية جاءت أقرب إلى التعميم الظالم الذي لا يعكس الواقع بكل تنوعه، بل اختزله في نموذج سلبي واحد.
في النهاية، قد نختلف حول جرأة الفيلم أو نتحفظ على بعض معالجاته، لكن المؤكد أن «برشامة» نجح في أن يكون أكثر من مجرد فيلم للترفيه، لقد أصبح مرآة ساخرة لواقع مضطرب، نضحك عليه وربما نضحك منه.
إقرأ المزيد


